أذكره جدا .. وأذكر مكالمته الصباحية الطويلة لي
كان صاحبنا حديث عهدٍ بالتخرج من الثانوية
وكان يلظّ بالدعوات :
“اللهم أرزقني مقعدًا في جامعة (x) !“
ويسابق الريحَ إلى أبواب المعارف والمسؤولين طالبًا “زلفى” تُقرّبه منها ولم يدخر معرفة إلا واتصل وطرقها.
وقُبل في الجامعة
قبل شهور قليلة وهذا يعتبر (بعد 3 سنوات من قبوله)
كنت أقرأ له
“الجامعة تسرق العمر”
وأصبح يتذمر:
“الجامعة سجنٌ”
حين نكره ما كنّا نصلي لأجله؛ هل هناك تفسير نفسي أو علمي؟
١- لنسمها ظاهرة:
“الصدمة بعد تحقيق الحلم”
في كتابه “الإنسان والبحث عن المعنى“
يروي “فيكتور فرانكل” أن بعض الناجين من معسكرات الاعتقال النازية شعروا بالاكتئاب بعد التحرير!
لماذا؟ لأنهم طوال سنوات الألم، جعلوا من “الحرية” وقودا يُعطي معنى لصبرهم.
فلما تحققت، واجهوا سؤالًا وجوديًا صادمًا: “وماذا بعد؟”.
فكان : الفراغ
هكذا يصبح “القبول الجامعي”
أو “الوظيفة” أو “الزواج”
مجرد جسرٍ نعتقد أن عبوره نهاية المطاف، لا بداية المسير الحقيقي!
٢- أحد التفسيرات لهذه الظاهرة التي تجعلنا “نكره ما كنّا نصلي لأجله“
نظرية
“تأثير الهبوط العاطفي”
((Arrival Fallacy
لـ د. تال بن شاحار :
حيث نعتقد أن تحقيق الهدف
سيُسبب سعادة دائمة،
لكن المشاعر الإيجابية
تتلاشى سريعًا بعد تحقيق ذلك.
يشرح عالم النفس “دانييل جيلبرت”
في كتابه التعثر في السعادة
أن الإنسان يُبالغ في تصوّر سعادته المستقبلية عند تحقيق هدف ما، لأنه يتخيل النتيجة مُجرّدة من المشاق اليومية المصاحبة لها.
ينسى الاستيقاظ المبكر، والامتحانات، وصراع السيارات!
من زاوية أخرى يشرح جيلبرت ظاهرة
“التوقع العاطفي الخاطئ“
حيث يقلل الناس من شأن المشاق اليومية المصاحبة لتحقيق الأهداف.
إننا نبالغ في تقدير سعادة تحقيق الأهداف لأننا نركز على لحظة النجاح، وننسى التكاليف اليومية المصاحبة (مثال: من يسعى لتملك منزل يتخيل لحظة الحصول عليه وتأثيثه، لا سداد القروض!)
ووفقًا لدراسة أجرتها جامعة هارفارد (2018) حول “سعادة تحقيق الأهداف”، تبيّن أن ٤٢٪
من الأشخاص الذين حققوا أحلامًا كبرى (مثل الشهرة والثراء والوظيفــــة وغيرهــا) شعــــروا
بخيبة أمل خلال عام واحد، لأنهم توقعوا أن الهدف نفسه سيجلب السعادة الدائمة،
بينما الواقع جاء مليئًا بالمسؤوليات غير المتوقع.
٣- داهية العرب عمرو بن العاص يفتح أذهاننا على سبب ثالث
«إن الملال – الملل- من سيء الأخلاق»
قرات لابن حزم توصيف بديع في صنف من الناس لديهم عدم الصبر على إلف حالة واحدة اسماها “هجر الملل”
كالذي يشبه فعل بني إسرائيل يوم كانوا في “مرحلة التيه” ورجوا موسى :
(ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا )
في تفسير الطبري :وكانوا قد ظلل عليهم الغمام، وأُنزل عليهم المن والسلوى،
“فملّوا ذلك” ، وذكروا عيشا سابقا كانوا فيه !!
وكانت عاقبتهم :
(اهْبِطُوا) + (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ)
يصف الله سبحانه وتعالى في كتابه هذا السلوك البشري في قوله :
{وَإِذَا مَـسَّ الْإِنسَــانَ ضُــرٌّ دَعَـا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ}
سورة الزمر (آية ![]()
في الختام سأحدّثك عن البداية :
إذا وصلت إلى الجزيرة،
كن ممتنا
ولا تلعن الأمواج التي أوصلتك!
محمد أحمد بارحمة
٢٥ شوال