حين تتأمل الهجرة النبوية للمدينة المنورة
على ساكنها أفضل الصلاة والسلام تقف على لمحات ذكية ، قام بها سيد الخلق ورفيقه أبوبكر رضي الله عنه ،
وهي خطوات مرجعية لكل صاحب بداية جديدة يتطلع للمستقبل المنشود ،
ويكفيك أن تعلم أن هذه الرحلة العظيمة وتفاصيلها غيرت ملامح العالم
1-كل بداية تقتضي التخلص من التبعات السابقة
لقد فوّض النبي محمد صلى الله عليه وسلم ابن عمّه علي بن أبي طالب ليمكث بعده 3 أيام يوزع الامانات على أصحابها، إذ كانت قريش على بطشها به وأصحابه تستودع أماناتها عند النبي صلى الله عليه وسلم
يقول ابن هشام في السيرة : “وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته” فلم يستعملها لا في ضغط ولا مساومة ولا مماطلة وتأجيل ، بل في ظل الخطر المحدق وكّل ابن عمه ليطوي الصفحة بكل مافيها.
2-لا تكن عالة على أحد في رحلتك
لمّا أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالهجرة قال الصدّيق الصادق : يارسول الله عندي ناقتان ، قد كنت اعددتهما للخروج ، فخذ إحدى راحلتي هاتين، فقال الرسول الله صلى الله عليه وسلم : ((بالثمن))
3-اختر الشركاء بعناية
كان أبوبكر يلح على النبي صلى الله عليه وسلم ويستأذنه بالخروج والهجرة، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول له يا أبكر : “على رسّلك فإني أرجو ان يؤذن لي ولعل الله أن يجعل لك صاحب “فانتظر أبو بكر رضي الله أربعة أشهر، وحين أتى جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم بموعد الهجرة قال النبي لأبي أبكر : فإني قد أذن لي بالهجرة
فقال أبوبكر : الصحبة ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : الصحبة .
تقول عائشة وهي بنت الصديق : ما كنت أحسب أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبابكر يومئذ يبكي من الفرح!
لقد كان أبوبكر الصديق خير صاحب وخليل ومحامي وفدائي للنبي صلى الله عليه وسلم وهذا جليّ في مواقف:
– لمّا وصلا الغار قال للنبي صلى الله عليه وسلم: مكانك حتى استبري _أي اختبر_ لك الغار ، خوفا من أيصيبه أذى!
– وظّف أبوبكر كامل عائلته لخدمة النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة ( عبدالله ، عائشة، أسماء ، ومولاه عامر بن فهيرة)
– وكان يمشي تارة أمامه وتار خلفه ،
فسأله الرسول عن ذلك قال : أذكر الطلب فأمشي خلفك وأذكر الرصد فأمشي بين يديك”
– تقول ابنته أسماء رضي الله عنها : لما خرج أبوبكر للهجرة احتمل معه ماله كلّه (خمسة أو ستة آلاف درهم)
وفي يوم وفاء بعد سنوات
قال النبي صلى الله عليه وسلم :
مانفعني مال قط كما نفعني مال أبي بكر
وأبوبكر يبكي ويقول : هل انا ومالي إلا لك يارسول الله !
ولتعلم أثر اقتصاد أبي بكر وفدائه لماله
روى ابن حبان بسند صحيح على شرط مسلم :تقول عائشة : أنفق أبوبكر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين ألفا !!
4-لا دروشة في المسير ، خطط وتوكل
كلّنا يعلم قولة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في غار ضيق : (لا تحزن إن الله معنا)
لقد قال هذه المقولة المشبعة باليقين بعد أخذ تدابير وقائية كافية ، لا تواكل فيها وادعاء للبركة ،ولا ومضادة لسنن الحياة الكونية :
1- لم يبت على فراشة تلك الليلة
2-أتى إلى بيت أبي بكر حين وقت الانطلاق (ظٌهرا متقنعا)
3- اختار طريقا غير مألوف عكس اتجاه المدينة المنورة ليعمّي عن رحلته.
4- اختار دليلا مؤتمنا للطريق للمدينة عبدالله بن أريقط (وكان مشركًا)
5-اختار عبدالله بن أبي بكر يأتي لهما بالأخبار من مكة كل ليلة.
5- عامر بن فهيرة يأتي بالغنم ليغطي آثار زيارة عبدالله بن أبي بكر لهما قبل طلوع النهار
6- أسماء بنت أبي بكر تأتي بالطعام
ثم قال لصاحبه كلمة الطمأنينة “إنّ الله معنا”
5- الثغرات فرصة للابتكار
ربما كثيرون لا يعلمون بأن الهجرة كانت في أواخر شهر صفر، فلماذا نبدأ عامنا الهجري من شهر محرم؟
في عام من الأعوام وصل صك لعمر بن الخطاب وكان أميرا للمؤمنين مكتوب فيه حكم لرجل على آخر :” وإنه يحلّ عليه في شعبان”
فقال عمر: أي شعبان ؟ هذه السنة أم الماضية أم الآتية ؟
فمن هذه الثغرة بدأ طلبه للصحابة بأن يجتمعوا ويضعوا تاريخ يتعارفون به حلول الديون وغير ذلك
6- التراث ليس متحفًا..التراث انطلاقة
فقال قائل : نؤرخ بتاريخ الروم وقال آخرون : أرخوا بمولد النبي صلى الله عليه وسلم وقال آخرون : بل بوفاته، ولكنّ عمر بن الخطاب حين يقرأ القرآن يقرأ بكامل روحه
فلقد وقف على قول الله تعالى في سورة التوبة :
{لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ}
لماذا اختار الله لفظة (أول يوم)؟ ولم يكن أول يوم بتاريخ الإسلام ولا المسلمين ،فاتفق رأي الصحابة على أنه أول يوم أعز الله فيه الإسلام
واختاروا التاريخ بالهجرة النبوية لظاهر النص أنه اول يوم في التاريخ حين قدم المدينة وأسس المسجد.
واعتمد عمر بن الخطاب شهر محرم لأنه منصرف الناس من حجهم فاتفقوا عليه ، حيث تكون بداية السنة الهجرية من محرم وتنتهي بذي الحجة.
كل عام وأنتم بخير
عاما هجريا مباركا، ومساعِ موفقة
محمد أحمد بارحمة – محرم -كتب في 1447هـ، وأعيد نشره هنا 1448هـ
