مجتمع الجُزر المعزولة!
مرة سمعنا في العمارة هواش جارنا مع زوجته
كان هذا قبل أكثر من 20 سنة
الأصوات تعالت .. والدي نظر لوالدتي
والدتي ألمحت إنه هواش متكرر بينهما ذي الأيام!!
رأيت والدي ينتظر بعد الصلاة، ويقف مع جارنا
وأنا أقترب منهما وابتعد منشغلا أو متظاهرا بالإنشغال..
تارة تسمع ولا تسمع، ينطبق قول الشاعر
“حفظت شيء وغابت عنك أشياء”
نظرات الأباء كانت تضعك في سياق
هل لك خصوص بالنقاش أم أدر ظهرك!
التقيا وتحدثا عن المشكلة وبأريحية
ينتهي الحديث بين والدي وجارنا
بمصافحة حارة ، وهكذا
لم نعد نسمع بهواش الجيران!
بحكي المسيري:
“أذكر أنني كنت أسير في إسطنبول عام ١٩٧٧، وكان هناك طفلٌ في العاشرة يدخن سيجارة فزجره أحد المارة، أي أنه لعب دور الأب برغم أنه كان لا يعرف الطفل! ولكنه الإِحساس بالمسؤولية الاجتماعية في المجتمع التقليدي، وهذا أمر يستحيل أن يحدث في المجتمعات الحديثة، خاصة في المدن الكبيرة.”
ماهو موقعنا في مؤشر المجتمعات الصحية؟
لنضع اليد على الجرح ..
لنحلل الرحلة
من “التضامن” إلى “مش شغلي”
1- التنفيس الكاذب
حيث حلّ الإعجاب بمنشور ضد التدخين بديلًا عن منع طفل من التدخين في الواقع
وحلّ نشر مقطع مشاجره على تيك توك
بديلا عن تقويم الخطأ وكفّه في بدايته
والبديل بحسب إميل دوركهايم عالم الاجتماع الفرنسي: أن المجتمعات الصحية تحافظ على تماسكها عبر “التدخل المباشر” لضبط السلوك
2-
الممرّض VS حاضن للمرض
باتت المتعة في النميمة وتداول الشائعات بدل قطعها ومعالجتها سريعا إبّان خروجها
يرى هابرماس أن”الصحة المجتمعية”
تقاس بقدرة الأفراد على حل المشكلات عبر الحوار المباشر لا عبر الشائعات والنميمة
فالمجتمعات الصحية تعالج المرض ولا تحتضنه تتقي تسرّبه في مقابض الأبواب عند كل لقاء والمصافحات وفي كل محفل
وتتبنى جرأة التصحيح (لا جرأة التجريح) والتحول للفعل الإيجابي بدل الإنفعال!
وفي تجربة اجتماعية لطيفة في السويد:
نشر الجيران في عمارة واحدة تقرير شهري عن:
“كم خطأً صححناه معًا”
بدل”كم شكوى قدمناها”!
3- مجتمع الجُزر المعزولة
في دراسة ميدانية (2023) أظهرت أن:
89% يعتبرون الأمر بالمعروف “واجب العلماء فقط”!
“54% بحسب الباروميتر العربي” (2022)، من المشاركين في 12 دولة عربية يرون أن التدخل في الشؤون العامة (مثـل الإبلاغ عن الفسـاد) قد يعرّضهم للمخاطر.
هنا هوس الخصوصية و الإنكفاء
والنتيحة = قتل التكافل
ولعلي أستعير عبارة للكاتب الأمريكي روبرت بوتنام في كتابه : بولينج بمفردنا:
“المجتمعات الحديثة تحولت إلى جزرٍ معزولة.. يعرفون كل شيء عن المشاهير، ولا شيء عن جيرانهم”
المسؤولية على الجميع!
المسؤولية على الجميع.
أمّا الإنكفاء المطلق: عجز
ولعدم التفريق بين الزجر اللين حين ترى ابن جارك يشتم أو يتعاطى مالا يصح ،
وبين الخطر المحدق المعقد مما يتطلب روح القانون وتشريع المختص = بين هذين الفيصلين ضاعت الكثير من المسؤولية
فمثلا ليس غريبا في سنغافورة أن يزجر المجتمع من يرمي النفايات في الشارع ولو كان سائحـا!
في الختام سأحدّثك عن البداية :
الحل يبدأ بإعادة تعريف “شغلي”
﴿ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
محمد أحمد بارحمة – ذو القعدة 1446