
لي صديق أحب تعريفه بأنه (خرّيج حُفر)
وهو ألمعي، “سوبر قوقل” في معارفه، ولكنه ارتطم بصخور هدّته قبل بلوغ الأربعين!
ثم ما يفتأ هذا الفتى يدهشني بعودته مبتسما مضرجا بالدماء!
وقبل أن أشرح لكم شفرة جيناته وسبب زلقاته، وهو ما اعترف به وأفسره بطريقتي ،
سأنقلكم إلى ليلة غابرة قديمة من ليالي بغداد الندية :
كان شابا قارئا مرتادا لمحاضن العلم ، يقرأ في كل الفنون ثم يحفظ ويفهم ويبرع فيما قرأ
استبدت به الحياة وقضم الفقر قلبه،
فقرر أن ينحر فقره أسوة بقولة سيدنا علي رضي الله عنه في محمدة مدافعة الفقر ومحاربته: (لو كان الفقر رجلا لقتلته)
فعكف على القراءة في فنون التجارة والبيع
وهندس وحسب وخطط واستخار وأقدم
وبعد أن استنبط بحصافة أن أسعار “التمر” سترتفع بشدة في بلاد الشام بعد شهرين، اشترى بكل ما يملك قافلة ضخمة من التمر ،
انطلقت القافلة، وما لم يكن في حسبان عقل الشاب، هو “خبايا المنعطفات” التي لا ترى بالمرآة الجانبية.
هطلت أمطار غير متوقعة في منتصف المسار، ووقف الشاب مذهولا لا تسعفه نظرياته وهو يرى بوار تجارته ، يقلب كفّيه على ما أنفق فيها وهي خاوية عروشها ويقول ياليتني وياليتني !!
ناصحه عجوز بعد فوات الآوان : يا بني، حساباتك في بغداد والشام كانت صحيحة، ولكنك فوّت قياس أغوار الطريق !
وهكذا،،،
ستظلُّ “الدرعمةُ” والتعالي عن سماع تجارب الكبار، إحدى الخصائصِ التكوينيةِ لعمرِ الشباب الذي نحن فيه.
ولا أعني الكبار سنا فقط ، بل كل الكبار في تجاربهم.
وبشهادة “صديقي الناج” من الحفر، فإن أكثر ما ندم عليه :
لم يختصر الطريق بتجارب الآخرين ممن سبقوه واحتقرها.
كلما همّ أحدُنا بالانطلاق، نظرَ إلى تجاربِ الكبارِ بعينِ المستخف وركن لحدسه وحده!
وظنّ أن شيبَ الكبارِ ليس إلا دليلاً على كثرةِ الحيرة،
ورأى في نصائحهم غلبة “فانتازيا أو حذر” لا تناسبُ عصرَ الذكاء الاصطناعي والتنوير.
وحين تحمل في جيبيك هاتفاً ذكياً، فقد حملتُ عقلا كاملا يكفي لخوض محيطات العالم!
ذكرني هذا التوافق ببنيامين فرانكلين : كان يسجل أخطاءه في أوراق، وبعد سنوات راجعها فوجد أحد أهم هذه الأخطاء: (الاندفاع في تسفيه آراء الناس)
وخاتمة المطاف:
مهما سما جوهر عقلك، فإنه لن يبلغُ بك الصواب دون أن يُسقى بماء التجارب،
ويظلُّ العقل محدودا لا يطرحُ ثمرتَهُ الكبرى، ولا يبلغ غايتَه القصوى إلا بغيثٍ من كثرةِ السماع من المجربين (ورياحٍ لواقح ) من غمار التجارب.
ولمولانا الجاحظ تأكيد في هذا أنقله _بتصرف يسير_ :
“العقل وإن اشتد مغرزه؛ وجاد نحتُه؛ فإنه لا يبلغ بنفسه درك الغاية دون كثرة السماع والتجربة”
نسأل الله الاعتبار وحفظ الأقدام من زلقات الطين ومواطن الحفر .