محلول غير مرخص!

وأنا أشاهد اللاعبين اليوم في كأس العالم يتوقفون “لنداء الترطيب ويشربون lشروبات الطاقة”
تذكرت موقفا بين الشوطين في أحد المباريات كان سببا لكرهي لشراب الفيمتو !

ففي إحدى النزالات التي كنا نلعب فيها كرة القدم في الملعب الترابي بالحمراء بمكة (جوار فندق إنتركونتيننتال)

كان صديقا لنا من البشرة السمراء نحبه حبا عجيبا

وقد رزق قبول وفكاهه

وكانت الكلمة منه تخرج مخرجا كوميديا لا يستطيعه اليوم كثير من رواد (الاستاندب كوميدي)

يخرج من الملعب مؤثرا نفسه مضحيا نيابة عن الجميع مشكورا بين الشوطين ويأتي بـ “ترمس” برتقالي اللون يخرجها مغبرّة من شنطة السيارة .

فيخلط قارورة الفيمتو مع الماء والثلج البارد والسكر، وهو شراب يفعل فينا ماتفعله مشروبات الطاقة اليوم بين الشوطين

في أحد الأيام، نسي صديقنا الملعقة التي يُحرك بها السكر في قاع الترمس.

فما كان منه إلا أن غمس ذراعه، وأدخل يده كلها حتى غاصت إلى كتفه ليحرك السكر، وخلط محلول الملح المنساب من عرقه بصبغة الفيمتو العتيق

حرصاً منه على أن ينعم الجميع بالطعم الحلو!

ولا أدري أريد بي خيرا أم شرا أن كنت شاهدا على رؤيته وهو مستمتع بالعمل النبيل ويبتسم جراء تطوعه .

راضيا عن تداركه للخطأ البرتكولي الصغير الذي يحدث في أحسن العوائل.

ومنذ ذلك اليوم لم أشرب الفيمتو لا في رمضان ولا غيره!

وهذه ظاهرة قرأت عنها ولا أدري عن علميتها _لكن تصدقها التجارب_

حيث تحيل أشهى الأطباق إلى ذكريات مزعجة

تدعى “كراهية الطعام الشرطية” (Conditioned Taste Aversion)،

فيقترن صنف من الطعام بموقف مزعج ، فتُسجل الذاكرة الحسية هذا الارتباط،

وفي كتاب (ميراث الصمت والملكوت)

قصة ظريفة يرويها المثقف عبدالله الهدلق ،

تلخص كيف يمكن لموقف واحد أن ينسف حباً قديماً لصنف من الطعام. يقول: «دعاني أحد الإخوة خارج المملكة إلى بيته، فلما حضرت، جلس معنا صبيٌ له من أكره من رأيت،

قد امتلأ وجهه بالقذارة، ووالده الحاني يضمه إليه في رقة بالغة. فلما حضر العشاء، قلت في خاطري: الآن نرتاح منه!

فأجلسه يأكل معنا، فغثت نفسي، وكدت أموت تقززاً.

ثم إن هذا الكريه رفع رجله وغمزها في صحن القشطة، فابتسم أبوه المغفل تظرفاً لصنيعه، فأطرقت خجلاً، وكرهت بعدها هذا الصنف من الطعام، وكان من أشهاها إلى نفسي».

وللأدباء والمفكرين في هذا الباب صولات وجولات، فقد أدركوا مبكراً أن النفس البشرية رهينة انطباعاتها.

خلد “مارسيل بروست” في “البحث عن الزمن المفقود” كيف يمكن لقطعة مغموسة بالشاي من كعك “المادلين” _وهي كعكة إسفنجية فرنسية صغيرة_ أن تستحضر عالماً كاملاً من ذكريات الطفولة الدافئة .

وعلى النقيض من ذلك، قد تكون الذاكرة المرتبطة بالطعام قاسية ومنفرة،

ومن مقولات أمي (متعنا الله بعافيتها وبرها ) أن ربتنا على كلمة تقولها حين يصاب بالمغص أو التسمم بعد الطعام أحدنا وهي لعلك (شككت في الأكل)

وفلسفة ذلك : أن تشك في طعام لأي سبب ثم تأكله تساهلا في حديث بينك وبين نفسك لايتجاوز الخمس الثواني فتعاقبك بطنك بردة فعل قاسية!

وهذا القول تصدقه الحادثات، فليس ضرباً من الخرافة، بل أخالها من حكم الحياة التي سبقت العلم الحديث.

وصدق أجدادنا قبل أن يقول العلم: أن للأمعاء دماغ ثاني يرتبط مع المشاعر!

ومع اعتذاري لشاعر بني عباس بشّار بن بُرد : فالعين (تأكل) قبل الفم أحياناً!

أجاركم الله من محاليل الطاقة والملح غير المرخصة .

اترك رد

اكتشاف المزيد من محمد أحمد بارحمة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة