“استديو الأيام الشاتية”
كلما هبّت أنسام(الشتاء) تحاتّت أغصان الذكريات
ومهما ارتدينا من ثقال لمواجهته فإننا نبقى عراة..
أشعر في هذا الفصل بما لا أشعر في سواه !!
المواقف لها(طنين) في الذاكرة..
لوحات فنية تحضر بدقة عالية من استديو الأيام الشاتية :
صوت المسبحة..طعم القهوة..درجة حرارة المسجد الدافئة
طلاب المدارس بثياب الشتاء (الملونة)..
أربع كفوف تمتد للمدفئة..ومشهد أخوك المسجّى بالبطانية..
طفل يرسم فوق ضباب الزجاج (أحبك)..
أسمار الليل ..
(سعال) المصلين القادم من طرف الصف..
زكام الأنوف وحروفها المدغمة..
يداك وهما (ترتعشان) في جيب المعطف..
صوت الريح وهي تعانق الشجر وتصيح كأمٍ ثاكل ..
وتفاصيل أخرى لايسعها النص !
يحمل هذا الفصل دون كل الفصول قدرة فائقة على(طباعة) المواقف في الذاكرة، بنكهتها، وألوانها، وأبعادها المختلفة
وبأعجوبة :”التفاصيل الصغيرة تغدوا جميلة في الشتاء |نواف القديمي| ”
عند فرز الألبومات العتيقة ، تتجلى(مواعيد كبرى) حضرت شتاءً
يأتي مشهد فخم لنبي الله موسى حين ذهب يتلمس الدفء شتاءً فنوديَ {بورك من في النار}
وكان اللقاء الأول مع (الله) .
ووعكت أم المؤمنين عائشة لثقل وقيعة الإفك وقلص دمعها
فنزلت براءة السماء في ليلة شاتية حضرت معها العافية ،
عشر آيات تتلى على مر الزمان.
(المدينة النبوية) كانت على موعد فرائحي يوم الخندق
رغم كثافة “الجوع والبرد وألأحزاب” خبت الوجع وجاءت البشرى في الشتاء: [اليوم نغزوهم ولايغزونا] .
مشهد شتوي فاخر لايمكن أنساه حدث قبل سنين:
حين أكرمني الله وأنهيت “حفظ القرآن الكريم” في الحرم المكي أمام ميزاب الكعبة ،
لايمكن أن أنسى (برودة) بلاط المطاف و(دفْء) سجود الشكر !
الشتاء (رئة كبرى) يتنفس منها الصالحون والشعراء والتجار والقراء والعشاق!
ثمة علاقة متينة بين الشتاء والحنين ..
تتحفز في عشاءاته الخجولة خلايا الحب ويزداد خفقان الذكريات
وينبت للروح ألف جناح ، فتحلق في البعيد البعيد ..
وتتداعى شخوص من نحب وتتلاقى الأرواح فتتعانق ..
في الشتاء تُرفع الكلفة بين المتحابين ويحلو الهمس وتذاع الأسرار
ولسان الحال ماحكاه شاعر سوريا عمر أبوريشة مع الشتاء :
(كم زارني وكشفت عن صدري له)
الشتاء (نبي صغير) يلهمك بلياليه الطويلة ، كل روتينك اليومي يتم قبل رنين المنبه !
كتبك المكدسة التي في قائمة الإنتظار تختفي في مساءته
ولاعجب فمن الشتاء خرج مصطلح (أدب المدفأة) ويطلق على الرويات الطويلة التي تقرأ في الشتاء .
يقول الناقد العراقي عبدالستار البيضاني :
“يمنَح الشتاءُ القراءةَ وقتا أكثر ..كنا نؤجل قراءة الروايات الضخمة إلى الشتاء
فلَيلُ الشتاء كان يعني في الغالب بطانية صوفية ورواية روسية ”
وتبقى”الكتب” واحدة من متع الشتاء الخالدة !
الشتاء (نبي صغير) حين يخلق فيك الرحمة كما خلقها في ابن عبدوس
جافاه النوم في ليلة شاتية فجمع غلّة عام وتصدق بها
وقال : مانمت الليلة غمّاً لفقراء أمة محمد !
كم من أشجار(عارية) يقرضها سياط الريح تنتظر مثل ابن عبدوس ؟!
وتردد :
“بيتنا كان عراء.. والشبابيك هواء قارس ..والسقف ماء” لـ أحمد مطر .
تواجه معركتين إن سلمت الرصاص لم يخطئها البرد ..
الرحمة يابن الشتاء هي أن لا تبيت إلا وقد رميت بحطبة في (تنّور) الإستدفاء
” ومن لم يؤد دوراً إنسانيا …فهو كالحطب المبلول في ليلة شاتية ؛ |عبده خال| ”
الشتاء ياصاح “شيخ” وقور حين تصغي للياليه المتأنية ومواعيده الكبرى
وشابٌ “نزغ” حين تَمور في جوفك الأشواق
وبين هذا وذاك ، نحن من غمام الشتاء العذب نستحم .
مع أطيب الأماني بشتاء يرد (شوارد) الروح
وللذين يتقلبون في العراء شتاء (سلام) لايقطع أنياط الجلود !
محمد أحمد بارحمة
ربيع الثاني 1438هـ