الإنسان اللئيم والإنسان الكريم

الإنسان اللئيم والإنسان الكريم

تابعني مرّة أحد مشاهير تويتر
فخفضت له الجناح جداً وعبّرت عن سعادتي بمتابعته وأنني أستفدت سابقا منه و …
فألغى المتابعة مباشرة !
أخَذَت النفس اللوامة تعاتبني كان من الأفضل ان تكون رزيناً أكثر!
كان أولى أن (تتغلى) قليلا .. ولو أخّرت الرد ليوم أو يومين _كالمشاهير _ لكان أفضل
في الضفة الأخرى بقايا (الضميرالمؤمن) كان يحامي عني وعن موقفي :
(لم تقل إلّا حقا ..ولاداعي للندم مادمت عبّرت عن مشاعرك بصدق وعفوية ) .
استطراد بسيط ياكرام : بعض المشاهير وقليل من غير المشاهير
حين يثني عليهم مطمور مدفوع بأبواب تويتر
يلبس ثوب الورع ويرد بجفاء _لا أستحق ..غفر الله لك .. المدح ذبح _
وحين يرد عليه مشهور مثله يرد بـ (هذه حفلة – تشرفت بمدحكم – شكرا لك على ثناءك) .
وهذا يحتاج تأمل ولكم التفسير ؟!

أعود لفكرة المشهد الأول ..
التقيت مرّة بصديق مقرب أثنى على كتاباتي _جزاه ربي خيرا_
فأردت قلب الطاولة وشكرته (بعنف) ..
بل شكرا لك ياصديق على متابعتك لي أولا بأول .. ومشاركتك لما أكتب .. لاحرمنا الله تحفيزك ووو
_ وفعلا كان ذلك الصديق أحد المحفزين _
من يومها غاب عن صفحتي وبدأ (يتثاقل) ! .

أحد المربين الفضلاء كان يثني دوما على أحد تلاميذه النابغين ويردد له : أستفيد منك والله يافلان
فبدأ الطالب (يستغني)عن أستاذه !
القاسم المشترك والحقيقة المستنبطه : جُبل الإنسان على اللؤم ..
وأعوذ بكلمات الله التامة أن نكون ممن عناهم أبو الطيب المتنبي :
وإن أنت أكرمت اللئيم (تمردا) !

بقيت أعجب وأتساءل لماذا يطغى الناس ويستغنون حين يُخفض لهم الجناح
كالعادة .. انتظرت من ينطق نيابة عن خاطري ويفسر ماهو مسكون في نفسي
بعض الأحوال تشعر بها ويعجزك التعبير عنها !
ومشاهدات النفس تستحق الوقوف والتأمل ، وأكره من يفسرهذا التدقيق بأن صاحبه (حسّاس) و (نفسية)
من متع الدنيا أن تعثر على طرف خيط دقيق في ظلام نفسك الدامس !
بعد مدّة يسيرة تأكدت باني لست وحدي ..
وجدت ساخطا يسأل ويعلق :
“هل لا حظت إذا ذكرت لأخ مدى ماتكن له من تقدير= خسرته ؟!
وقال بأنها : صارت قاعدة في علاقاته وأنه بات بخيلا بالثناء على من يحب ! ”

وقرأت في صفحة الأستاذ الهدلق :
في اليوم الذي تقول فيه لصديقك : لا أستطيع الإستغناء عنك ، فقد فقدته . !!
فتعزز عندي هذا المذهب أكثر
يتكل كثيرون للأسف على رصيد المحبة السابق ،
وكل يبس في العلاقات ينقص من رصيد المودة مع الأيام ..
والمسكين _حقا_ من ظن الناس يحتاجوا له .
رجعت لكتاب ( طوق الحمامة ) لعل وعسى أن يروي ظمئي
فلمحت في باب الهَجر نوعا أسماه : (هجْرٌ يوجبه التدلل) . بالعامي : ( يدّلع ويتدلل صاحبه ) !
وكدت ان أنضم لحزب الساخطين البخلاء بالمدح ..
وابن المقفع زادني إيمانا و إصراراً بنصٍ ناصع وبيّن يقول:
إذا أقبل إليك مقبل بودّه ، فسرّك ألا يدبر عنك فلا تزد الإقبال عليه والتفتح له ،
فإن الإنسان طبع على ضرائب اللؤم ، فمن شأنه أن يرحل عمن لصق به ويلصق بمن رحل عنه !!

في ليلة الثلاثين من رمضان زال شك المسلمين حين أذيع بأن شهر رمضان 30 يوما تاما
وزالت معه حيرتي في تلك الليلة حين قصدت الحرم المكي ..
في صلاة التراويح تحديدا كان العثور على الطرف الآخر من هذا الخيط الدقيق :
قرأ الشيخ ياسر الدوسري سورة (لقمان والسجدة) بتأني وتحبير تستطيع معهما أن تفكر في الآية وغير الآية
قراءة تُعرض معانيها بدقة ( HD )
قرأ ( ولاتصعر خدك للناس ) استحضرت هذا الحالة اللئيمة وانقدح في بالي أن المعنى :
لاتبتذل للناس ،وترفّع عن النزول لمن لايستحق !
عدت في أول أيام العيد لتفسير الآية لأنقل مايعزز الفكرة ..وياللهول !!
وجدتها عكس مافهمت تماما ؛ وانهار مذهبي الإجتماعي أمام آية !
الآية لاتعني أن تشيح بوجهك ، ولاتعني التعامل بالمثل
ولاتعني _ أخيرا_ الحرص على الحضور بمكياج (الشعور بالأهمية)
هي ليست للمادح إنما للممدوح الصاد اللئيم : توبّخه وتعنّفه وتربّيه إن كان في قلبه حسّ المحاسبة
يقول ابن عباس في تفسيرها أي :”لا تعرض بوجهك عن الناس تكبرا ” .

نسينا في زحمة الممرات أن مثقال ذرة من (كبر وشيفونية) قد تحرمك الانغماس في الجنة !
خفض الجناح أورده ربنا مع طرفين :
(1) : (واخفض لهما جناح الذل) .
(2) : (واخفض جناحك للمؤمنين) .
فـ(خفض) الجناح (ارتفاع) وتحليق في العالية
فإذا خفض أخوك جناحه لاتدسه بقدمك ..لاتركل النعمة . اخفض جناحك معه ..
علّ الملائكة تبسط أجنحتها لكما
وليس من التقويم معالجة الصدّ بالصد والخطأ بالخطأ
تُبْتُ بعدها من مذهبي السابق ومحوت من ذاكرتي قول ابن المقفع اللذي اعتنقته لأيام ..
وأرجوها ردّة للأبد !
فحسْب المرء أن يعيش حياته القصيرة بعفوية وتودد دون انتظار مردود .

محمد أحمد بارحمة
6 شوال 1437

اترك رد

اكتشاف المزيد من محمد أحمد بارحمة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة