الواحد منّا لايكون شاباً مرّتين

الواحد منا لايكون شاباً مرتين ..!

في الطاولة المجاورة رأيته ممسكا بالقلم يدحرجه بأصابعه ويضعه في فمه أحيانا
مسْكته للقلم ليس فيها قوة سقط القلم من يده أكثر من مرة..
وكلما سقط القلم رمقته أعين الجالسين !

تركت الموقف ..
أكملنا حديثنا عن قطار المشاريع والطموحات التي تعج بها الذاكرة نتحدث تارة عن الآمال وتارة عن العقبات..
عند الحديث عن الطموح ألاحظ أن ملامح الوجه تتسع وتتحسن _هذه نظرتي_
ولاعجب..فـ(وقود) العمر مسانيد الطموحات ..
وأنتمي لمذهب الشاعر الشابي الذي سأل الأرض يوما:
((أيا أمُّ هل تكرهين البشر؟))
فقالت:
((أبارك في الناس أهل “الطموح”***ومن يستلذ ركوب الخطر))

أجد سلوتي مع الصديق الطموح وأغبط الشاب الذي حباه الله العصامية ،فهذه الحياة لاتعترف بالنائمين ..
من أمارات الشباب كثرة تطاول العنق للمستقبل ،
وعاما تلوَ عام كلما تقدم الواحد منا في العمر قلّ تطاوله ؛
واشتكى مجدداً : ألم العنق _أيضا_ لكثرة الإلتفات للماضي ..!
في كل عام تصيبني عدوى التصفيات الموسمية
فأشطب حلماً كان جائراً
وياضيعة الأعمار حين تدرك متأخرا خطأ الطريق ..
هذه المرحلة_الشباب_ تأتي بين ضعفين ؛ وقد يعيشها البعض أيضا ضعيفاً ..!
فيحمل في سجله ثلاث مراحل من الضعف ويموت مبكراً ولو دفن في السبعين !
عمُر (21) و (25) و (30) لاتمر عليك إلا مرة واحدة
ولكل عامٍ منها لذته ؛ أعرف من قهرته الحياة وخطفت منه تلك النعمة
ولم أجرئ يوماً أن أسأل أحدهم عن غبنته !!
إلى أن قرأت نصاً يمتلئ كمداً على فوات هذه النعمة التي لاتتكرر
كتبها صاحبها بحطبة من حطب النار:
“ليس هناك قطع غيار لهذا العمر ،سن الحادية والعشرين ، والخامسة والعشرين ،والثلاثين ،ومافيها من صبوات وشعور بالذات وشجاعة وحماقة =لايمر بها المرء إلا مرّة واحدة
وهذه المرّة سرقها السجن من مئات وألوف .ومني ”
استعدت لحظتها شريط مرحلة الشباب التي لازلت فيها _والحمدلله_
وسحابة غبنٍ ظللتني :ياضيعة الأعمار ؛كيف ضاعت تلك الأوقات؟!
تذكرت ساعتها مقولة أحمد :”ماشبهت الشباب إلا بشيء كان في كمي فسقط”
وكأنه ينعي ذلك الشاب الجالس عالطاولة؛ الممسك بالقلم دون اكتراث ، والقلم يسقط منه !! .

محمد أحمد بارحمة

#الواحد_منا_لايكون_شاباً_مرتين
#أسألك_عمرا_عريضا

للطاولة ظل أسود

“للطاولة ظل أسود”

..

(أ): كم مرة جلست على طاولة وتجاذَبْت أطراف الحديث مع أصدقائك واتفقت واختلفت؟

(ب): كم مرة انتبهت لظلِّ تلك الطاولة؟

من عادة الناس التركيز على مُثير واحد (الطاولة)،
وإهمال المثيرات الأخرى (الظل).
أرباب السلوك يرون أن صعود مدارج النجاح النفسي في هذه الحياة يكون بالانتباه (للظل)!
كثيرًا ما تَحاورنا باسم المنطق وتبيان الحقيقة وهداية الناس..
كثيرًا ما كان الظلُّ ونوازع الباطن: الإلجام، وغلبة الآخر، وادِّعاء المعرفة، ونزاهة المذهب.
يسير البعض دون انتباه إلى إثبات أن ما هم عليه هو: المنطق الأبلج الذي لا تَشوبه نزغات العاطفة.

وفي تجربة بأمريكا طُبِّقت على مؤيدين للحزب (ج) والحزب (د):

عرضوا لـ (ج) فيديو فيه خطابات “لمرشَّحِهم المحبوب” يتناقض فيه، يقول الشيء وضده..
لم يعترفوا بالتناقض بل سموه عمقًا، وتأوَّلوا له!
ثم عرضوا لـ (ج) أيضًا فيديو فيه خطابات “لمنافسهم” من الحزب (د) يتناقض فيه، يقول الشيء وضده.. هنا بانت علامات الامتعاض، واستنكَروا، واتهَموه بالتناقض!

لكلٍّ منا عينُه الخاصة التي يُبصر بها الأشياء والأفكار؛
يحكي غاليانو في روايته العميقة أفواه الزمن:

“ذهب فريق تلفزيوني إلى تشاكو ليُصوِّر مشاهد عن حياة هنود إسهبر اليومية، راحت طفلة هندية تُلاحق مدير الفريق؛ كطفل صامت مُلتصق به، تنظر بإمعان إلى وجهه، كأنها تريد التغلغل في عينيه “الزرقاوين”.
سألها ماذا تريد؟
فأجابت: أريد أن أعرف اللون الذي ترى به الأشياء؟!
فقال: إنه اللون نفسه الذي ترينها به.
فردت عليه: وكيف تعرفُ أنت اللون الذي أرى به الأشياء؟! ” .

في داخل آحادنا ألوان متعددة – من الأبيض إلى الأسود – نُبصر بها المواقف حسب موقع إعراب الشخص في قلوبنا.
وكل جماعة بأبيها معجبة، ونُقش على جدار الأنفس: “عين الرِّضا عن كل عيبٍ كليلة”
معظم التيارات ترى النقد بشعًا إذا اقترب مِن مَنزلها، وتجد له ألف مبرِّر عند جدار الآخرين،
ولو تجرَّد الواحد منا وحاكم نفسَه على ذات المُعطيات التي يُحاكم بها غيره، لاندهشنا من حجم التناقض والاغترار.
بين الحين والآخر يربي الله عباده على التوازن، فتجد رمزًا كبيرا يُسيء التقدير فيقع في خطأ مبين.
وأخطاء الرموز سبب في ضبط المقود ..
ومِن العناء البالغ أن تستميت لتبرير وتمرير كل قرارات وآراء جماعتك وشيخك !
في “إحياء علوم الدين” للغزالي بعد أن ذكر مذهب إمامه الشافعي في نجاسة الماء، قال: “هذا مذهب الشافعي، وكنت أود أن يكون مذهبه كمذهب مالك، في أن الماء وإن قلَّ لا ينجس إلا بالتغيُّر”.

النفوس المتجردة وحدها مؤشِّر البوصلة يتجه للقِبلة، ولا تعاف أن تأخذ العسل ولو من محجمة الحجَّام!
سيغدو الأمر بسيطًا لو اقتنعنا بأن مع كل أحد منجمَ ذهب وكومة قذَر.
ومَن سكنْتَ لِوَصْفتِه وشفاك دواؤه، فلا يكن في قلبك حزازة من باقي الأطباء ..
الحق لا ينفرد به أحد، ومِن كمال العقل أن نستعدَّ للنظر لكل رأي بحياد، ولو أعياك ذلك خذ الرأي وذيِّله باسم شيخك، ستجد الرأي بهيًّا ومُختلف !!

لا رقية أشفى للقلب من قول الشافعي: “والله لا أبالي إذا ما ظهر الحق على لساني أو لسان غيري”، والذين يحتكرون الصواب يطوفون في حرم التعصُّب، والمُتعصِّبون في الغالب حمقى، ومِن الهند يُخبر اللكنوي بأنه: “لا اعتداد لقول المتعصِّب”.
ودستوفيسكي يدعو دون أن يستقبل القبلة: “احمِني يا إلهي من شرِّ المتعصِّبين”.
ما كل حوار يستدعي الغلبة، وكم من مرَّة كان أولى أن تفتح شرفة الانسحاب لتلج السكينة إلى قلبك!
هناك سجالات تستحق التجاهل والتعامل معها كـ “مكالمة لم يتم الرد عليها”!
تعجل المفكر عبدالوهاب المسيري نعيمًا فردوسيًّا حين آثر راحة البال على إثبات صحة الرأي فقال:
“أنا لا أحب الدخول في المعارك الصغيرة، وأفضِّل الاستسلام فيها؛ حتى لا تستنفد طاقتي فيما لا يفيد”

جلُّ المتناظرين يسعى الواحد فيهم أن يُسقط صاحبه، وقليل من يتحاور ولديه استعداد للاقتناع.
مِن أطرف المقدمات ما كتبه علي الوردي في كتابه “خوارق اللاشعور”: “لا أريد بهذا البحث أن أقنع إلا من يريد أن يقتنع، أما الذي لا يريد أن يَقتنِعَ، فليس لدينا إزاءَه أيُّ حيلة”.
لنُسمِّها “القابلية للاقتناع”،
فما لم يكن من الطرفين استعداد للاقتناع، فالأَولى أن يُضرب بالمطرقة وتُرفع الجلسة؛ فلا جدوى من محاورة مَن قلبُه مُقفل بأربعين قفلًا.
مُقزِّزة سياسة بعض المتحاورين “يا تحشرني يا أحشرك”، ودراما “المنتصر هو صاحب آخر ردٍّ”.
ويستمر المتحاوران في مسلسل التعليق والتعليق على التعليق، والثمرة المجنية: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ ، هذه نتيجة قرآنية جاءت بعد جدل بني إسرائيل في شكل البقرة !
أحَقُّ الناس بالشفقة مَن يَستدعي روح الملاكمة في كل قضية، ولا قيمة لمُحاور يَستحضِر في قاموسه كلمة “في مُنتصَف الجبهة”.
كم مِن أحمق فجَّر جرحًا لا يُطاق تحت بند:
“أنا طبيعتي أعطي في الوجه”، فرِّق يا حبيبي بين الوقاحة والصراحة.
الحقائق سلع نفيسة، سيُعرض عنها الناس إذا أسأنا تغليفها،
ومَن يقف على شاهق الفاجعة، يجد حربًا باردة ونفوسًا تلتهب،
آثرت كسر الأواني بدلَ أن تضع فيها الزهور!
﴿ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً ﴾، لله هذا القلب الذي لم ينسَ الأخوة عند عتبات المحكمة!

من مشاهد البؤس أن ترى الرجل يفاصل ويُخاشن أهل ملَّته، ويَستدعي قيم التعايش والتسامح مع غيرهم؛ كعين العذارى تسقي البعيد وتترك القريب!
دونك تغريدة من تغريدات المشاهير أبصر القيح تحتها، تجد نصفنا لا يثق في النصف الآخر، نصفنا يدعو لسجن النصف الآخر، ثم ترفع رايات الوحدة الوطنية زورًا!
في كل مكان التنوع (يُثري)، وفي الضفة الأخرى التنوع (يثير) !

الحوار المثمر هو الهادئ.. الهادي.. الهادف، وتبطل العبادة إذا اختل ركن.
الحوار ظلُّنا الذي يكشف طول عود الاستقامة!
“ومن لا يراقب عقله جيدًا عند الحوار، لن يكشف ثغراته” العودة.
للنفوس من الخبايا والأغوار ما لا يعلم مداه إلا الله،
وهذا المقال بمثابة “حجر” ألقيتُه في بئرنا لنقيس عمق الهاوية!

يستهلكنا في هذه الحياة الركض اليومي، لا بد من الالتفات للظل الذي يُرافقنا في كل الأزقة،
الغيرة منه..
مراقبته..
تفقُّد زواياه الحادة..
الابتعاد عن الأضواء حتى لا يصبح ظل الأشياء مثلها مرتين ! .

محمد أحمد بارحمة
3شعبان1437هـ

علي والجموم والأمّية

عشت في (الجموم)ثمانية أشهر
لا أزعم أنها أيام جيدة مطلقا أو سيئة،بل كحياة الناس تتعاقب فيها الفصول الأربعة ..

كان (علي) _ عامل المسجد _من القلائل الذين أقضي معهم وقتا طويلا في “الجموم”
حكى لي مرة حجم الإحراج الذي أصابه حين طلب منه من بجانبه وهو يقود السيارة أن يتوقف بجوار الصيدلية
علي لم يعرف أين الصيدلية..

أوه ..فهمت أن علي لايقرأ ولايكتب (أمي).

سألته قبل أن نفترق منتهزا وجعه
هل انت مستعد لتعلم القراءة ياعلي؟
كانت كل جارحة فيه تقول نعم .
إن شاء الله بين المغرب والعشاء يوميا موعدنا لدراسة “القاعدة النورية”
ما إن أخرج من المسجد حتى أجد( علي )انتهى من آخر نفثة سيجارة وداسها بقدمه
وباليد الأخرى الأخرى المرسام والدفتر .
كانت هذه عملية الإحماء عند (علي) قبل النزول للملعب .

بسم الله بدأنا ..مرت الأيام ..
بعد أسابيع
تجرأ (علي) وسألني مرة “يامحمد إش تستفيد من هذي الكتب”
سأل وهو يقلب كتاب (مذكرات: لي كوان يو)يحكي تجربة سنغافورة .

من المبكر أن أتكلم عن أهمية القراءة وضرورتها وإقرأ ترقى..وقارئ اليوم قائد الغد ..ومن ذي البروتينات .
سألني سؤالا آخر كما لو أراد أن يساعدني في الإجابة :ولا تدرسها في الجامعة ؟
قلت له :
“تفيدني في مرحلة الجامعة “.

كنت متلهف للنهاية أكثر من (علي)

بعد شهرين وتحديدا في درس قراءة الكلمات الثلاثية المركبة ،كنت أساعده في التهجي (أ ح د..أحد)
فهم الطريقة .
بدأ التهجي ..وعند كلمة: (ك ت ب) صرخ :كتب .
صرخت أقوى: الله ..
ارتسمت على وجهه كل تعابير الفرح
وبدى كأجمل من خلق الله
توقف عن القراءة ..
تسربت _قسرا_ دمعة على خده ، وكأنها قطرة ندى على غصن ..
“والله شكرا يامحمد” .
سرد (علي) دون إذن أو مقدمة جزء من ذكرياته السوداء في البادية _اليمن_ .
أظنها المرة الأولى اللتي انكسر فيها هذا الرجل العصامي

“كنت يامحمد زي الأعمى الآن بديت أشوف .والله شكرا”
كنت أنا في المقابل ذائب من الفرح ..
أكيد شاهدتم فيديوا لإنسان يعود له بصره بعد سنين كان لايرى إلا الأسود
مامدى سعادة طبيب العيون الذي وقف على العملية حتى تكللت بالنجاح ؟!
خرجنا لنحتفل بهذا الإنجاز وقررنا نتعشى

طوال الطريق كان (علي)منتشيا بهذا الإنجاز
يتهجى لوحات المحلات
طبعا ساعده في قراءة بعض المحلات إنها بديهية
مثلا (ب ق . . .)قطعا ماحتكون بقرة أكيد(بقالة) !
من أسعد اللحظات حين قررنا ننتقل للقراءة من المصحف ،رحب بالفكرة وأخبرني أنه لايحفظ إلا الفاتحة .
فتحنا المصحف_كانت هذه أول مرة يمسك فيها المصحف_
اخترت الفلق دون تفكير أو قصد
“كان يقرأها بمشقة”
“قل أعوذ برب الفلق ..من شر ماخلق”
يالله هل هناك ماهو شر من الجهل !
تخيلت الأجرين التي يحصل عليها من يقرأ القرآن وهو عليه شاق .

لم يبقى (علي) بعدها كثيرا
ترك (الجموم) جريا من أجل تحسين معيشته..

وكأن الله جمعنا هنا لنحقق هذا الهدف السامي

بين الحين والآخر يرسل (علي) رسالة واتس آب :
“كيفك،صباح الخير،جمعة مباركة”
أستمتع بقراءتها وكأنها لحن حجازي .
.
أن تجيد القراءة يعني أنك تملك المفتاح الذي حرمه أكثر من ربع سكان الوطن العربي 27% .
أن لاتستخدم هذا المفتاح فأنت لست بأحسن ممن حرموه !
[والذي لايقرأ ليس بأحسن ممن لايجيد القراءة] .
الذي دعاني لتذكر هذه القصة أني ذهبت لأخذ بعض (أغراضي من غرفتي)
ووجدت “القاعدة النورانية” يعلوها غبار

استعدت الذكريات..
وأزلت الغبار عنها كما لو كانت كتابا مقدس .

محمد أحمد بارحمة .

الإنسان اللئيم والإنسان الكريم

الإنسان اللئيم والإنسان الكريم

تابعني مرّة أحد مشاهير تويتر
فخفضت له الجناح جداً وعبّرت عن سعادتي بمتابعته وأنني أستفدت سابقا منه و …
فألغى المتابعة مباشرة !
أخَذَت النفس اللوامة تعاتبني كان من الأفضل ان تكون رزيناً أكثر!
كان أولى أن (تتغلى) قليلا .. ولو أخّرت الرد ليوم أو يومين _كالمشاهير _ لكان أفضل
في الضفة الأخرى بقايا (الضميرالمؤمن) كان يحامي عني وعن موقفي :
(لم تقل إلّا حقا ..ولاداعي للندم مادمت عبّرت عن مشاعرك بصدق وعفوية ) .
استطراد بسيط ياكرام : بعض المشاهير وقليل من غير المشاهير
حين يثني عليهم مطمور مدفوع بأبواب تويتر
يلبس ثوب الورع ويرد بجفاء _لا أستحق ..غفر الله لك .. المدح ذبح _
وحين يرد عليه مشهور مثله يرد بـ (هذه حفلة – تشرفت بمدحكم – شكرا لك على ثناءك) .
وهذا يحتاج تأمل ولكم التفسير ؟!

أعود لفكرة المشهد الأول ..
التقيت مرّة بصديق مقرب أثنى على كتاباتي _جزاه ربي خيرا_
فأردت قلب الطاولة وشكرته (بعنف) ..
بل شكرا لك ياصديق على متابعتك لي أولا بأول .. ومشاركتك لما أكتب .. لاحرمنا الله تحفيزك ووو
_ وفعلا كان ذلك الصديق أحد المحفزين _
من يومها غاب عن صفحتي وبدأ (يتثاقل) ! .

أحد المربين الفضلاء كان يثني دوما على أحد تلاميذه النابغين ويردد له : أستفيد منك والله يافلان
فبدأ الطالب (يستغني)عن أستاذه !
القاسم المشترك والحقيقة المستنبطه : جُبل الإنسان على اللؤم ..
وأعوذ بكلمات الله التامة أن نكون ممن عناهم أبو الطيب المتنبي :
وإن أنت أكرمت اللئيم (تمردا) !

بقيت أعجب وأتساءل لماذا يطغى الناس ويستغنون حين يُخفض لهم الجناح
كالعادة .. انتظرت من ينطق نيابة عن خاطري ويفسر ماهو مسكون في نفسي
بعض الأحوال تشعر بها ويعجزك التعبير عنها !
ومشاهدات النفس تستحق الوقوف والتأمل ، وأكره من يفسرهذا التدقيق بأن صاحبه (حسّاس) و (نفسية)
من متع الدنيا أن تعثر على طرف خيط دقيق في ظلام نفسك الدامس !
بعد مدّة يسيرة تأكدت باني لست وحدي ..
وجدت ساخطا يسأل ويعلق :
“هل لا حظت إذا ذكرت لأخ مدى ماتكن له من تقدير= خسرته ؟!
وقال بأنها : صارت قاعدة في علاقاته وأنه بات بخيلا بالثناء على من يحب ! ”

وقرأت في صفحة الأستاذ الهدلق :
في اليوم الذي تقول فيه لصديقك : لا أستطيع الإستغناء عنك ، فقد فقدته . !!
فتعزز عندي هذا المذهب أكثر
يتكل كثيرون للأسف على رصيد المحبة السابق ،
وكل يبس في العلاقات ينقص من رصيد المودة مع الأيام ..
والمسكين _حقا_ من ظن الناس يحتاجوا له .
رجعت لكتاب ( طوق الحمامة ) لعل وعسى أن يروي ظمئي
فلمحت في باب الهَجر نوعا أسماه : (هجْرٌ يوجبه التدلل) . بالعامي : ( يدّلع ويتدلل صاحبه ) !
وكدت ان أنضم لحزب الساخطين البخلاء بالمدح ..
وابن المقفع زادني إيمانا و إصراراً بنصٍ ناصع وبيّن يقول:
إذا أقبل إليك مقبل بودّه ، فسرّك ألا يدبر عنك فلا تزد الإقبال عليه والتفتح له ،
فإن الإنسان طبع على ضرائب اللؤم ، فمن شأنه أن يرحل عمن لصق به ويلصق بمن رحل عنه !!

في ليلة الثلاثين من رمضان زال شك المسلمين حين أذيع بأن شهر رمضان 30 يوما تاما
وزالت معه حيرتي في تلك الليلة حين قصدت الحرم المكي ..
في صلاة التراويح تحديدا كان العثور على الطرف الآخر من هذا الخيط الدقيق :
قرأ الشيخ ياسر الدوسري سورة (لقمان والسجدة) بتأني وتحبير تستطيع معهما أن تفكر في الآية وغير الآية
قراءة تُعرض معانيها بدقة ( HD )
قرأ ( ولاتصعر خدك للناس ) استحضرت هذا الحالة اللئيمة وانقدح في بالي أن المعنى :
لاتبتذل للناس ،وترفّع عن النزول لمن لايستحق !
عدت في أول أيام العيد لتفسير الآية لأنقل مايعزز الفكرة ..وياللهول !!
وجدتها عكس مافهمت تماما ؛ وانهار مذهبي الإجتماعي أمام آية !
الآية لاتعني أن تشيح بوجهك ، ولاتعني التعامل بالمثل
ولاتعني _ أخيرا_ الحرص على الحضور بمكياج (الشعور بالأهمية)
هي ليست للمادح إنما للممدوح الصاد اللئيم : توبّخه وتعنّفه وتربّيه إن كان في قلبه حسّ المحاسبة
يقول ابن عباس في تفسيرها أي :”لا تعرض بوجهك عن الناس تكبرا ” .

نسينا في زحمة الممرات أن مثقال ذرة من (كبر وشيفونية) قد تحرمك الانغماس في الجنة !
خفض الجناح أورده ربنا مع طرفين :
(1) : (واخفض لهما جناح الذل) .
(2) : (واخفض جناحك للمؤمنين) .
فـ(خفض) الجناح (ارتفاع) وتحليق في العالية
فإذا خفض أخوك جناحه لاتدسه بقدمك ..لاتركل النعمة . اخفض جناحك معه ..
علّ الملائكة تبسط أجنحتها لكما
وليس من التقويم معالجة الصدّ بالصد والخطأ بالخطأ
تُبْتُ بعدها من مذهبي السابق ومحوت من ذاكرتي قول ابن المقفع اللذي اعتنقته لأيام ..
وأرجوها ردّة للأبد !
فحسْب المرء أن يعيش حياته القصيرة بعفوية وتودد دون انتظار مردود .

محمد أحمد بارحمة
6 شوال 1437

إستمارة الإلتحاق بداعش

استمارة الالتحاق بداعش !
“طاش ماشفتوه”

أظنها استمارات مائلة للون الأصفر _من شدة الوعثاء_تلك التي عُثر عليها وكانت بعنوان : (بيانات المجاهد)
تحوي خانات متعددة أهمها وأشدها لفتا : (اسم الأم) (المستوى التعليمي)
(مستوى المعرفة بالشريعة : وكانت تحوي ثلاث خيارات: متقدم – متوسط – مبتدئ)
(هل تريد أن تكون : مقاتلا -مفجرانتحاري -انغماسي )
(الاختصاص : وكانت خانات الاختيار : مقاتل – شرعي- أمني – إداري )
(وظيفتك قبل الإنضمام ) (مستوى أوامر الطاعة) الخ .
يتدفق المجندون من أكثر من 70بلدا ، ويملكون مهارات وخبرات متعددة

تبدو هذه المجموعات ذات مستوى تعليمي جيد
إذ أن (ثاني) أكثر الفئات عددا كانت تلك التي بلغت المستوى (الجامعي)
يقال: ‏لا يولد البشر أغبياء بل جهلة، ثم يجعلهم التعليم أغبياء !
ولو كان في هذه المقولة مبالغة فليس أقل من:
أن التعليم النظامي لايبني الوعي !
والمعلومات الجامدة التي يتم حشوها في الدماغ لاتعدل السلوك
هنا يجدر التذكير والإشارة إلى دور (القيم) في تعديل السلوك البشري .
وبين هلالين :تفتقد القاعات الجامعية للدكتور النبيه والحاني الذي يضع لمساته الحياتيه إلى جانب النظريات العلمية الجامدة .

من الورقة الصفراء تبين أن معظم المنظمين لهذه الجماعة يعاني من (البطالة)، حيث يبدو أن معظهم التحق بدافع الإحباط إزاء عدم تحقيق النجاح المنشود في سوق العمل بعد الدراسة
وقد نقاوم مثل هذه المعلومة التي ماتعودنا سماعها
لكن البطالة تنتج أكثر من هذا !!
وللغزالي المعاصر : ‏في أحضان البطالة تولد آلاف الرّذائل.
ذات وجبة عشاء وضعت أصناف الطعام على جريدة
عليها مانشيت (البطالة تجبر شابا على “الانتحار” )
تطور الأمر ياكرام في العشرية الجديدة ..من (انتحار) إلى (انتحاري)
المشكل لن تجد الصحف تكتب : (البطالة) تحول شاب إلى (انتحاري)
بل ستجدها تمارس تطفيفا وتستخدم الاسطوانة المشروخة وترمي (المنااااهج الدينية) بتفريخ داعش !
وعليه..فليس السبب الأوحد في إنتاج داعش (البطالة) كما أنها ليست المناهج الدينية بالضرورة .
والبحث عن الأسباب والحلول ينبغي أن يبتعد عن (الأسلوب الانتهازي) الذي تمارسه النخب والحكومات على حد سواء .

السؤال عن مستوى التعليم أدّى إلى تنوع واسع للأجوبة عند المقاتلين ؛
بدءاً من (لاشيء) وصولا إلى حملة الدكتوراه والدرجات الطبية وماجستير إدارة أعمال وحمَلة شهادات من جامعة (كامبريدج)
مرة أخرى وبين هلالين: (إذا وجدت من يتهم الصحوة بتفريخ الإرهاب ؛ واجهه بذات المنطق (الاعوج) وأن كامبريدج فرخت ارهابيين بكرفته ) !
كان أحد الأمثلة في مجال التعليم ذلك المقاتل الذي ذكر أنه متحصل على درجة الماجستير في (الهندسة الكيميائية)
في قسم الملاحظات دون المسؤول على ورقته (مهم..لديه خبرة في الكيمياء) !

في مجالات العمل والخبرات السابقة هناك وظائف غريبة ومتنوعة ذكرت في الاستمارة
(سلاح الجو) (أرامكو) (مهندس صوت) (ميكانيكي طائرات) (التصميم والتسويق) (جراح) (صناعة نوافذ وأبواب)
أحدهم كتب (جيد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)
وآخر كتب ( كل ماتراه الدولة مناسب) !
ووردت مصطلحات مهينة مثل (الحرس الإلحادي) إشارة للحرس الوطني السعودي
وليس كل الوظائف مرغوب فيها بطبيعة الحال
فقد كان هناك شاب عمره 24سنة وظيفته السابقة (تاجر حشيش)
تضمنت إستماراته ملحوظة “غفر الله لنا وله”
أحد الشباب عمره18عاما كتب (أريد أن أكون اليد اليمنى لأبي بكر البغدادي) ! .

كثيرا مايتكلم الناس على سبيل الإقناع :لماذا تفجر نفسك؟
ومن أرسلك لتفجر وتذهب للجنة لم لايذهب هو ؟!
فقط12%من مجندي الدولة أعربوا عن تفضيلهم لدور انتحاري !!
من ذكروا بأن لديهم معرفة (متقدمة) بالشريعة كانوا الأقل تعبيرا عن القيام بعمليات انتحارية
والذين اختاروا مهاما أكثر عرضة للموت هم (الأصغر سنا) وغير متزوجين
أما (المتزوجين) الذين اختاروا دورا انغماسيا هم 3%فقط
ويبدوا أن المتزوجين مكتفين بالانغماس !!
نصيحة ببلاش : زوجوا الشباب ياقماعة .

بالمقابل كانت هناك (استمارة خروج من حدود الدولة)
والأغلبية كانت تخرج لتلقي العلاج بالخارج
المثير للاهتمام ان اثنان كتب على استمارتيهما وبخط أحمر (كذبا) وادرجت ملاحظة (إذا رجع يسجن)
ويبدو أن حبل الكذب ليس فقط قصير بل سميك ويلتف على العنق ويخنق صاحبه خصوصا في حدود تنظيم داعش !!
بعض الأفراد غادر لمهام وتكاليف في بلدان أخرى .

ماسبق=وثائق حصلت عليها لجنة مكافحة الأرهاب
من رجل سابق في (تنظيم الدولة) قام مركز نماء للبحوث والدرسات (مشكورا) بترجمتها
وهي تستوجب محاذير كبيرة أثناء التعامل معها ، أهمها (مصدر الوثائق) .
الحكم على الشيء فرع عن تصوره أليس كذلك ؟!
مامدى (جودة) التصور ؟! مامدى (جدية) المصور ؟!
أسئلة في الهواء .

محمد أحمد بارحمة

إسباغ المكاره على القلب

“إسباغ المكاره على القلب”

(إذا كنت تريد النجاح فثمنه الوحيد سنوات طويلة من الفكر والعرق والدموع . القصيبي)

من رحمة الله أن يرتطم قارب عمرك ببعض الصخور لتجدّ في التجديف
في الحج كنت مع أحد الأصدقاء الذين اقتسمت معه كل شيء من أيام المرحلة المتوسطة
وهو من البقية الباقية الذين ما اقتلعتهم رياح الإرتخاء
تناولنا العشاء وحدثني عن برنامجه الثقافي في شهر ذي الحجة ( ثمان ساعات ) يقضيها في القراءة والسماع والإطلاع ويعدّه كالدوام الوظيفي !
ثمان ساعات لا أظنها مستساغه ومستلذة ، لكنه إسباغ المكاره على القلب

الملاكم الراحل محمد علي كلاي يحكي عن تجربته في إسباغ المكاره على قلبه :
(كنت أكره كل دقيقة في التدريب ، لكن كنت أقول لنفسي : تحمّل الآن وعش بقية حياتك بطلاً ) .
أحتفظُ بورقة كتبتها مطلع العام 37هـ فيها قرابة (11) من الأهداف الشخصية
تعثرث في تحقيق 3 منها وبالتفتيش عن الأسباب أجد ضمور (الجدية) وعدم إسباغ المكاره على القلب

المشاهِد للمحاضن _وحياة الشباب عموما _ يجد أبرز آفة اجتاحتها (نقص الجدّية)

ولعل الواحد منا يشاهد أن الجلسات أصابها الترهل واجتاحتها قيم السوق والمادة فصار حديث المجالس الأفلام وأبرز المباريات والسفرات والمطاعم وفي أحسن الأحوال مناقشات في قشور السياسة !
ثم نتعذر وننوح بعبء الإلتزامات وضيق الوقت
الوقت_لو صارحنا أنفسنا_ ينساب من بين أصابعنا كالماء ويحتاج لقبضة حديدة توقف هدره !
فالوسادة مقوسة من كثرة النوم ، والجوال يُشحن مرتين في اليوم لفرط الإستهلاك
والأيام في عدٍّ تنازلي سريع .

من صدف العام الفائت أنّ آخر كتاب قرأته (عظماء منسيون في العصر الحديث)
القاسم المشتركب بينهم على اختلاف أنماطهم(التعب والجدية) ، سيَر يقف الواحد أمامها مشدوها فاغرا
برنامج مليء (بالمكاره) من مكافحة الإستعمار والتأليف والتعليم والتربية والمشاركة الإجتماعية والضرب في الأرض لمناصرة القضايا العربية والإسلامية .
تخْرج من هذا الكتاب بدرس بسيط نظرياً عسير عملياً :
“لن تتذوق النجاح مالم تكابد المشاق وتلعق الصبِر، فالنعيم لايدرك بالنعيم”.
ولو سألنا كم يوم من 360 يوم في عامنا المنصرم يستحق أن نسميه يوم الإعياء والتعب و( إسباغ المكاره على القلب) لماخرجنا بالعدّ_ربما_عن أصابع اليد الواحدة !
هناك صورة بلاغية تغريني للأديب الراشد يقول :
(لن يذوق المسلم حلاوة (الحياة) مالم ترتجف يده انهاكا إذا رفع قدح الماء إلى فمه يريد أن يرتشف ، ولايحق له أن يظن أنه مشارك مالم ينم جالساً يغلبه الإعياء ) .
_الله يستعملنا في مراضيه _

من فترة ونظرية (غادر منطقة الراحة) تعبث برأسي
وهي تعني خوض تجارب جديدة وشاقة على النفس، ومثلها في التراث مقولة التابعي إبراهيم الخواص : ماهالني شيء إلا ركبته ! .

تعلمت السباحة في العام الماضي و مررت بالتعب النفسي الذي يسبق دخول الماء.. وكمية اللترات والجوالين التي تجرعتها كرها ،
وبعد تعلم المهارة استفدت أن:كل ماتستصعبه بالمجاسرة يغدوا من مُتَعِك.

إلى جانب أهداف العام ضع هدفا سامياً سمه ( مشروع العام) واسقه من يومك
فأفضل مؤشر على انتظام المسير نحو تحقيق أهداف العام هو (اليوم)
فالأشياء الصغيرة في(يومك) هي التي تصنع الفرق .

يحكي المفكر عبدالوهاب المسيري عن تجربته في إسباغ المكاره على قلبه كي يتعلم اللغة الإنجليزية :
“حبست نفسي في غرفة لمدة شهر كامل لا أسمع إلا الإذاعات المتحدثة بالإنجليزية ولا أقرأ سوى الجرائد والمجلات الإنجليزية وعُدت بعد الفصل الدراسي الأول وقد تَمَلّكْتُ ناصيةَ اللغة بشكل أدهش أساتذتي! “.

وفي المدهش لابن الجوزي نصٌ مدهش يقول :
( شجر” المكـاره” يثمر المكارم…، والجِدّ جناح النجاة ) !

معسكر الوقت_ياسادة_ الذي تسوده البطالة يقود لمزبلة( الفناء)
وبإسباغ المكاره على القلب_بحول الله_يكتب لنا (الخلود) !
وعلى الله فليتوكل الطالبون .

محمد أحمد بارحمة
محرم1438هـ
#إسباغ_المكاره_على_القلب
#عاماً_سعيداً_حافلاً_بالنجاح_يارب

خدمات مابعد الموت

خدمات مابعد الموت !

لابد أن تموت لنعرف فضلك ونعاملك بإحترام فتلك “خدمات ما بعد الموت ” !!
كان لابد أن يستشهد بضعة عشر من قادة أحد الفصائل في سوريا لنرضى عنهم ثم نزكيهم ..
وكان لزاما أن يموت(فرمان)_الذي أنقذ 14 نفسا في سيول جدة_ ليعترف البعض أن ثمة خير في نفوس الأجانب ..
يبقى بعض الناس في الدنيا كرصيف مهمل لا يلتفت له أحد فإذا مات فاضت المحابر والحناجر بالود المتأخر
من أصدقائي في الفيس بوك (صالح) توفي _رحمه الله_
من عجيب أنواع الرثاء وهي كـ”خدمة بعد الموت”
ماكتبه أحدهم على جدار صفحته :
رحمة الله عليك ..”سأقبل صداقتك الآن رغم عدم معرفتي بك” .!
لم أجد رقصا على جثمان ميت كرقص هذا العابث..
ذلك الميت نحسبه في رفقة من يحب وبصحبة من يرضى ولاحاجة له بالصداقة الإفتراضية والشفقة الآن
ولو نطق لقال : كانت ستنفعني _ربما_ وأنا حيّ ، أما الآن فلا ..
بعض الود والإعتذار المتأخر فاقد لنصف قيمته كقهوة باردة
الود المتأخر هو عبارة عن _خدمة بعد الموت_ يجود بها الأحياء ولات حين نفاعة !!
ولو خرجت قبل أوانها لحقنت في الوريد جرعة رضا ، ولأعشب بستان القلب ..

كتب إمام الحرم الشيخ الكلباني :
” (غازي القصيبي) غضب عليه الجميع ، ثم رضي عليه الجميع ” . !
وكأن الموت شرط الرضا ..
هناك نفوس كأنها (مقبرة) لاتحب ولاتتقبل ولاتحتضن إلا الموتى ،،
يحكي (ماجد) : كنت أذهب مع أخي الأكبر للمدرسة و كنت حينها طالباً في المرحلة الثانوية
كنت لا أحبذ سماع الأغاني و أخي بالعكس مهووس بها ،
في كل صباح نمرّ بمقبرة المعلاة بمكة وكان يغلق الصوت عند مرورنا بالمقبرة ، وفي أحد الأيام سألته لماذا تغلق الأغاني عند مرورنا بالمقبرة ؟ فقال نحترم الأموات !
قلت:والحي الذي بجانبك هذا ليه ما تحترمه وتغلقها طول ما هو معك ؟!
قال: يازينك ساكت .
علمت حينها ان الناس تحترم الأموات ولو لم تعرفهم ولاتحترم بعض الأحياء وهي تعرفهم .
ولست متأكد ما إذا كان هذا من قبيل احترام الميت أم هي رهبة الموت ؟ .
كدت أنادي بكل خلية : يارُبَّ حيٍّ أولى بحسن معشر !!
يتعذرون بأن الحيّ تخشى عليه الفتنة
ولقد سمعنا بحيِّ تُخشى عليه الفتنة ولم نسمع بحيٍّ يُخشى عليه الحب والود
لا أدري أكان لزاماً أن يحتاج الناس للموت ليخرج الذين حولهم من مشكلة الخرس العاطفي ؟
لفحَ نجيب محفوظ برود الحاضرين فصاح: لا أحب الحب الصامت ..أخبرني بحبك !

بعض _الغياب البسيط_ مندوب إليه ، الغياب البسيط كالسفرأو غيره
يجعل المشاعر تفيض وتقول ماظل محبوسا في حجرة الفؤاد
ولولا غياب بيجوفيتش 5 سنوات في زنزانته
لما رأينا ورأى خواطر أبنائه (سابينا/ليلى/بكر) رسائل بعثوها له في سجنه أرفقها في كتابه: (هروبي للحرية)
كان يتنفس ويحيا بها ويقول:
( طالما كنت أسعد برسالة أكثر من طبق الطعام ) .
كُثُر أولئك الذين انتظروا كلمة لطيفة يتورّد منها القلب،
وأكثر منهم من عانى كلمة ظلت حبيسة في صدره تمنى لو أخرجها في زمن الإمكان
( بروني )ممرضة استرالية عملت في رعاية المرضى الذين تبقى على وفاتهم القليل، لفشل الطب في تأخير الأجل المحتوم
كتبت عن أبرز خمس أشياء تمنوا أن يتداركوها
بعد أن كانت تسألهم ما أكثر ما ندمتم عليه في حياتكم ؟؟
واحد من هذه الأشياء التي ندموا عليها :
” كنت أتمنى لو ملكت الشجاعة للتعبير عن مشاعري ، لأعيش في سلام داخلي نتيجة التعبير الصادق “..
الأديب الطنطاوي عانى في مرضه واشتكى قلة زواره، وحين زاره مجموعة من دعاة الخليج فرح بهم وشكى الوحشة و الوحدة !
ولعله عزف بقيثارة مُلئت بأنّات الجوى حين كتب:
تمسكوا بأحبتكم جيدا (وعبروا) لهم عن حبكم فقد ترحلون أو يرحلون وفي القلب حديث وشوق ..
خدمات مابعد الموت:ظاهرة تهدف لتقديس الميت الذي كان مهملا وهو حي..
وهي من طريف الحياة الإجتماعية
سخِر منها علي شريعتي فحكى :
مات جاري أمس من الجوع ، وفي عزاه ذبحوا كل الخراف !
خدمات مابعد الموت : تجعلنا نُجرّم كسر عظم الميت ، وفي الحقيقة كسرعظم الميّت ككسره حي .لامزايدة
خدمات مابعد الموت : حين نبارك “قتل” الحي ونقول : “الضرب” في الميت حرام !
وردة واحدة _أيها الأحياء_لإنسان على قيد الحياة أزهى من باقة كاملة على قبره
وكلمة في زمن الإمكان أجدى من مرثيّه بعد مُضيّ الأوان
أذكروا محاسن موتاكم وأحياءكم ..
والفصْل بين احترام الحي والميت علمانية في المشاعر نعوذ بالله منها .

محمد أحمد بارحمة
جُماد الأول1437هـ
#خدمات_مابعد_الموت

الله في المحطة |4|

الله في المحطة |4| :

لايمكن أن أنسى عفوية المحطة الأولى ..ولا قسوة المحطة الثانية ..ولا بطء الثالثة ..
وفي كل محطة وصلت إليها لم أكن أملك تحديد موعد القدوم وو المغادرة !

الجميل في كل رحلة هي (الدهشة) التي تصيبك فور الوصول لصالة القدوم التالية ..
تبدأ الصورة الكلية تتضح ، يسهل عليك تفسير بعض المواقف السابقة ، تُوضع النقاط على الحروف
فعند كل لقطة مخيفة تظن فيها أنّك كنت (تُسحق) تكتشف فيما بعد أنك ( تتشكل)

عند الوصول للوجهة النهائية وأعني (الفردوس) _بُلِّغناها وإياكم_
سأشاهد فيلم كامل يستعرض حياتي البسيطة
من أول صيحة عندما تلقتني خالتي إلى آخر زفرة طارت في الهواء ..
وأراهن أن العرض سيكون مدهش وسأرى تفاصيل محرجة ، ومواقف صغيرة شكّلتني _لم ألقِ لها بالاً_
ومشاهد انتصار ومشاهد انكسار ؛ وأصدقاء غابوا فجأة ؛ وصلوات لاتليق بالله (العظيم) ؛
والقوة الخفية التي مُنِحناها في مواقف بدعوات الوالدين ؛
وأشياء تعلقنا بها لم تكن تستحق .
وسأعجب حين أراني كنت أتعجّل قطع ورق التقويم ..
سيكون كل شيء مدهش.. سيكون الله مدهشاً
ستمر لقطة (الأقدار) التي تقدمت فكرهت قدومها ..أو تأخرت فتذمرت لتأخرها
ويكشف الله يومها صفحة ذلك القدر ،
فيتجلّى اسم الله (المدبر)
ولايكون حينها أبلغ من الإبتسام لخفي لطف الله ورعايته ..

سنقف في صف اهل الجنة ونقول : ” إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو (البر) (الرحيم ) ” .
في الحزن العتيم كان(النور)..وفي تعب اللجوء كان (الراحة) ..وفي كل ضيق كان (الفسحة)
هو (السند) يوم انفضّ الناس ، والصوت حين تخنق العبرة
كم مرة(غارت) نضَارتي (ففاض) حنانه
أدخل متكدرا فأخرج أصفى ..
وأجلس ضعيفا فأعود أقوى ..
كلما ذوى غصني سقتني (رحمته) ..

يحتوينا في أدق الأشياء ونحن على حصيرة المسجد ..وفي جلسات السمر ..ونحن نقود السيارة ..وفي المسالكك المهجورة.. وفي مرتفعات الحياة وسهولها ..
استشعار(معيّـته) يمنح الأمان
إذا سألوك عن الأمان ؟
(الله) هو (الأمان) في فوضى الأرض ..
ندخل عليه _في أي وقت_مع كل صلاة وعقب كل (معصية) بلا موعد مسبق ولا طابور أوحاشية فيقبل فورا
ويفرح أشد من فرح مسافر ضلّ راحلته _وعليها طعامه وشرابه_ أيقن الهلاك فاضطجع تحت شجرة
فبينا هو كذلك ، إذ بها قائمةٌ عنده . !!

نسرد له المشاكل دون تلعثم أو خوف من سوء فهم
نشكو كما شكت المجادِلة فيكون الرد “قد سمع الله ..”
لا أسرع من الضوء إلا دعوة من قلب (منكسر) !

كل الأحلام المستحيلة ليست عصيّة عليه ،،
وما يسميه الناس (شطحات الخيال) محقق عنده ،،
عطاءه (غمام) فمن ذا يمنع المطر ؟!
{مايفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها}
(سميع) (مجيب) (قريب)
ومن يحسن الاستسقاء يأتيه المطر ..

لانك (الله) أحلامي مبللة
ببهجة الصبح يسقيها فتنبثق
لأنك (الله) قلبي كله امل
لأنك (الله) روحي ملؤها الألق
لأنك (الله) فالأقدار باسمة
ووجه دنياي منها ضاحك طلق
_علي الفيفي_

ترفع عينك للسماء فيأتي همسه:
” قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها ”

سبحان من يعطي المُنى بخواطرٍ ..
في النفس لم ينطق بهن لسان ..

وفي كل جلسة تطرق رأسك ملتفا بحبوة الصبر
يأتي نداؤُهُ ” وجدناه صابرا نعم العبد ” .
فيتبدل (الحال) .. وتخرج ياذا النون من الظلمات .. ويكون الشفاء ..فعند (الله) تفريج البلايا ..تقول يا (صمد)
فيقول:
{اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب} .

قربه لم يحرمنا ملذات الدنيا بل كان يضاعف الشعور باللذة والفرح
محروم من يبتعد عن سدّته الكبيرة = {فإن له معيشة ضنكا} !

نلمح ألوهيتك وربوبيتك في ثنايا (النور) وسطور(الشعراء) وسعة (الكهف) وصعدات (القيامة) ورحلة( الإسراء) ومنزلة(التوبة) ومقام(إبراهيم) ونبرة المرأة(المجادِلة) وبين(الناس) وأجنحة (الصافات) وجمال (يوسف)
كلامك بوصلة وأنت الإتجاهات الأربع ..

تربينا بالمواقف والآيات : تعاتب مرّة (وماقدروا الله حق قدره )
تطمئن مرة (أليس الله بكاف عبده) تحذر تارة (فويل للقاسية قلوبهم) وتعيد الأمل أخرى (لاتقنطوا من رحمة الله)

نتذوق الشهد من اسمك (اللطيف)
ونرضع الأمان مع اسمك (المدبر)
ويشتد طمعنا في اسمك (الكريم)
ويبرى القلب حين نتأمل (الجبار)

أسبح في نهر الكوثر حين يقرأ الإمام :
( إن فضله كان عليك كبيرا) كبير .. وكبير جدا
إلى حد لا أستطيع به القياس بمعايير الدنيا
(أمشي) إليك فتأتي ( هرولة )
فلا يصح قانون نيوتن الثالث | لكل فعل ردة فعل ‘مساوية’ له في المقدار …|
مع (الله) الفعل مضاعف ..والكسر مجبور .. والحلم يتحقق .. والحزن يتلاشى ..والعطاء لامحدود ..

(الله) كلمة قدسيّة مكونة من حروف لينة ينطقها الصغير والأعجمي والألثغ .. ليست عسيرة على أحد !

سبحانك ‘لا أحصي ثناء عليك’

[لو نظمنا قلائداً من جمان ٍ … ومعانٍ خلابةً بالمئات

لو برينا الأشجار أقلام شكر … بمداد من دجلة والفرات

ما أبنّا عن همسة من معاني … في حنايا نفوسنا ماكنات

ما أتينا بذرة من جلال … أو شكرنا آلائك الغامرات] .

شرف مديحك :
لك الحمدُ يا ربِّي على كلّ نعمةٍ..
ومن جُملة النّعماء قولي (لك الحمدُ) .
سيمر القطار سريعا كلها مئة سنة _إذا كثرت_
ثم: إليك المآب ..
فإن دنا الميعاد يا (جليل) :فجهزنا أكثر وأحب اللقاء .

محمد أحمد بارحمة

رمضان |18|