تجربة كيب تاون واللغة الإنجليزية

لي الآن قرابة (100) يوم في كيب تاون لدراسة اللغة الإنجليزية بالتالي باتت الأيام المتبقية للبقاء هنا أقل من المنقضية وبدأ العد التنازلي للعودة لمكة الغرّاء ..
كلما قررت الكتابة عن شيء لم تسعفني القريحة ، على الرغم بأن العديد من الأصدقاء بشرني بتدفق الخواطر وسيلان القلم ، وكل ذلك لم يحدث ومعرفة السبب يجتاج لكهانة !

حين بدأت “جدياً” في اتخاذ قرار دراسة اللغة لم أكن جاهز ماديا تماما
فتأخرت في السفر فكان بين (اتخاذ القرار) و (تنفيذه) قرابة 6 شهور !

ولكن ربي شاء غير مشيئتي
وللرَّب إمضاء المشيئة ِ لا العبدِ!
“ابن الرومي”

كما قيل : “إذا أراد الله شيئا هيأ لك أسبابه ” .
ومقولة باولو كويلو تحفزني جدا : عندما ترغب في شيء فإن العالم كله يتآمر لتحقيقة .
فالحمد لله على جميل الأقدار وتذليل الصعاب

تعلم لغة جديدة يعني أن تعود بخط الزمن للوراء ،
ترجع طفلا
تلقّن الكلمات كما يتلقنها صبي ، تخطيء في النطق فتقسم لك المعلّمة الكلمة ثلاث أجزاء
أحببت التعثر لأني كلما عثرت تأكدت أني مستمر بالمشي
قرأت مرة في صفحة الأخ عبدالله عمر مامعناه :
الأمية في عصرنا أن لا يكون لديك لغة ثانية !!

والحقيقة تأكدت بأن تعلم لغة يعني بناء شرفة جديدة تطل فيها على زاوية أخرى من زوايا هذا العالم ،
لا أزعم حتى الآن أني بنيت الشرفة لكني بدأت العمل عليها وعلى الله المعين قصد السبيل .

في أول أسبوع رأيت في منامي العلامة الدود حفظه الله يتحدث عن أهمية تعلم اللغة الإنجليزية _ لم أكن محتاجاً لرؤيا_ لكنها على كل حال كانت قدراً جميلا

مررت بمواقف لطيفة !
أذكر أول أشهر دخلت سوبر ماركت سمعت بأنه يبيع سمبوسة
فبدلا من قول هل(عندك) سمبوسة ؟
قلت للبائع بكل حماسة هل (تريد) سمبوسة؟
كنت أكرر السؤال عليه
والبائع يكرر: وت سوري؟

لايمكن ان أنسى ملامح البائع وكمية الحيرة والاستفهامات اللي ارتسمت عليه .

ومرة أخبرتني السيدة اللي أسكن عندها بنبرة حزن بأن أخيها قد سقط وتوفي بعد العشاء
لم تلتقط أذن أخيكم كلمة توفى
قلت لها بكل صفاقة مواسيا بلطف أوووه :
أتمنى له شفاء عاجل !
(I wish him to get well soon)

ومرة أحد الأصدقاء أراد أن يتباهى أمام بنات بني الأصفر يريد أن يقول أنا (coach)مدرب
فقال بثقة أنا (kitchen) مطبخ !
لاحاجة للقول بأن أتعس اللحظات حين يريد أحدهم أن يرفع من نفسه فيهوي بها في مكان سحيق ..

وبمناسبة البنات اقتنعت بأن الكلمات تأخذ مكانها بثبات في الذاكرة حين تخرج من فم امرأة، ولست مبالغ
فالنساء أكثر تحملاً ومجاملة
وعندما وصلت لكيب تاون كانت معنا في المنزل احدى الفتيات من فنزويلا
اظنها لو قالت لا إله إلا الله لكان يكفي مع صبرها علي أن تكون في أعالي الجنة “ولا أتألّى على الله”
وانفرج لساني شيئا فشيئا مع فرنسية وبرازيلية
وتغليب حسن الظن مطلب فكل هؤلاء جمعني بهن نفس المسكن وطاولة الطعام
“ولله بنات بني الأصفر”
بمناسبة التعلّم من النساء :
مرّة قرأت في (طوق الحمامة) لابن حزم الأندلسي كلاما يثني فيه على النساء
ويذكر دورهن في تعليمه :
(..هنّ علمنني القرآن وروينني الشعر ودربنني الخط )

..

أعود للكلمات فهي كالناس ماتعارف منها ائتلف معك
فمنها الوحشي، ومنها الهين، ومنها ما تحفظه فيطير ويعود لك بعد أسابيع يجمعك به القدر في موقف فيدوم الود
كنت محظوظا في الأسبوع الماضي حين درسنا في الفصل موضوع عن الجرائم وتعلمنا مفردات جديدة حول الموضوع
عدت للمنزل كان معي كتاب بعنوان : (موت بارد)
وجدت في الكتاب ثلاثة أرباع المفردات التي تعلمتها في الفصل،
“ورب صدفة خير من ميعاد ! ”
تتمكن الكلمة منك لو حفظتها ثم صادفتها في اليوم التالي
في كتاب أو فيلم أو سمعتها من معلم و زميل.

في صنعاء أيام الدراسة أعطاني صديق كتابا باللغة الانجليزية كانت التجربة الأولى التي أحاول فيها القراءة بالإنجليزية
كان الكتاب مختصر لسيرة الرسول لا يتجاوز اربعين صفحة
لم أستطع انهاء ربعه تقريبا
كنت أقلبه وأتمنى حلول معجزة لقراءته، للأسف لم يحدث معي شيء.
بدأت هنا قراءة كتب (CAMBRIDGE)
وهي عبارة عن قصص قصيرة كمثل كتب الأطفال التي فيها : قال أحمد وقالت فاطمة_مع تغيير الأسماء لأعجمية_،
وشعرَها أحمر،، ووضع يده على رأسه،، وبيته في يمين الشارع… وهكذا
كنت استعين بالصور المصاحبة للكتاب لفهم السياق
وعندما ينتهي الكتاب ينتابني شعور يفوق نشوة اتمام كتاب عربي
لاتكاد تخرج من الكتاب بأدنى فكرة، لكنها قنطرة عبور ومرحلة لابد منها
مثلا مرة طلب مني بعض الرفاق في المعهد أن أخبرهم ماهي القصة التي في كتابي؟
فبدأت أقصها عليهم : واحدة قُتلت فبحث البوليس عن القاتل إلى أن وجدوه. أهـ
انتظر الأصدقاء ماذا حدث بعد إذ؟
فاجأتهم أن الحتوتة انتهت!

بلا استثناء الجميع افرط في الضحك وقتها!
لأنه لاشيء في القصة يدعوا للتعجب أو الاستغراب و الإطراق مجرد قصة تنفع للأطفال قبل النوم !
لا أخفي أساي من التأخر في تعلم اللغة
والعزاء “أن تصل متأخرا خير من أن لاتصل”
جزى الله من اخترع هذه “المقولة” لانها تعد أوسع أبواب الإعذار

كلما فكرت في سنين الدراسة المتوسطة الثانوية الجامعة
ماذا حصدت منها في الانجليزي؟ فعلا لاشيء
أتمنى أن أرى إجاباتي في أوراق الإمتحان ماذا كنت أكتب
كيف كنت أتعامل مثلا مع(was)( were) و(had)(have)
لست مقتنع بمقولة “بدلا من أن تلعن الظلام أوقد شمعة”
ساعات أقول علينا أن نلعن الظلام في الوقت الذي نوقد فيه الشمعة!
أعني بالظلام “لامبالاتي” و “وضاعة التعليم عندنا”
من الطرافة وتدابير القدر أني حصلت في ثالث ثانوي في مادة الإنجليزي على نسبة 96%
الله لطيف بعباده،(لاحد يقلي كيف)
..
أحدّث نفسي دائما وأسالها مالذي أريده من اللغة؟
الحقيقة لا أريد أن أكون(معلماً محترفا) من يراني يظن أني من مواليد بريطانيا،وسُرّي مقطوع في أحد شوارع لندن ولا أن أبز أقراني وأصحح لهم القواعد..
أبدا.. كل ماأتمناه فقط أن “أفهم وأُفهم”
هذا يكفيني..
.
كيب تاون عرفتني على أصدقاء كرام تشرفت بهم وماكنت أظن أني سأكوّن علاقات ودّية جديدة
تعدّ أفضل مرحلة لبناء العلاقات الحميمة مرحلة الجامعة
ماقبل مرحلة الجامعة يعد مرحلة علاقات “مضطربة”
ومابعدها مرحلة علاقات “نفعية” أو مادية
والاستثناء وارد لامحالة

أكثر ماغثّني هنا (هواة بذل النصائح) وهم الذين يهرفون بما لايعرفون
أخبرني أحدهم مرة بأن العقل لايستوعب في اليوم أكثر من خمس كلمات! فإياك أن تزيد!!
وأحمق آخر حذرني من شراء قاموس لانه سيشتت ذهني!
مثير للشفقة بعض الناس حين يضعون المعاذير لنفسهم
ومثل هؤلاء (إن يتبعون إلا الظن “وماتهوى” الأنفس)
والنفس تهوى الراحة والسلامة والدعة والمعاذير
وكما قيل :
حب السلامة يثني همّ صاحبهِ..
عن المعالي ويغري المرء بالكسل. .

تعرفت العام الماضي في اندونيسيا على صديق اسمه رمضان
لم يكن أخي رمضان يتكلم العربية ولم أكن للأسف أتحدث الإنجليزية، مجرد مفردات لاتُذكر يعلمها عن العربي واعلمها عن الانجليزي
الكل كان نائما(حسين) و(أحمد)
ولم يكن أحد مستيقظ إلا نحن
كان الصمت سيد الموقف والعبث بالجوال لتمضية الوقت
ثم بدأنا الحديث شيئا فشيئا
كانت لغة الجسد حاضرة بقوة في جلستنا ومترجم قوقل بكل تأكيد
قرابة ساعة جلسناها بصبر مع بعضنا
وعندما استيقظ(حسين) قلت له قل لرمضان :
أعده بأني سأتعلم الإنجليزية قريبا وسوف اتصل به حين اتعلمها
كانت هذه أول مرساة وضعتها لتحقيق الحلم
ربما نسي رمضان لكن لم انسى الوعد
هاتفته قبل أسابيع بسيطة وتحدثت معه بلغتي الركيكة

وذكّرته بالوعد فتذكر.. لم يتجاوز الحديث دقيقتين
انهيت المكالمة وتنفست السعادة
(فأحلام الأمس حقائق اليوم )

إن كان من شيء أود نقشه وقد سبق أن قلته في تدوينة(إسباغ المكاره على القلب) :

كل ماتستصعبه بالمجاسرة سيغدو من متعك !

لازلت في أول الطريق دون شك ،
ومجرد البدء غالبا يوصل للتمام والإتمام
كل شي يأتي مع الوقت و (الزمن)جزء في صناعة المنجزات !

للشيخ المفسر السعدي مقولة ذهبية
أوصي بالاحتفاظ بها وتعليقها في مكان بارز
_غرفتك، سيارتك، مكتبك، أو في المرآة التي تزورها كل صباح _
يقول رحمه الله :
“من بذل المجهود في السعي في الأمور النافعة،
واستعان بالمعبود عليها، وأتاها من أبوابها ،( أدرك المقصود)
فإن لم يدركه كله أدرك بعضه… ”

وقل من جدّ في أمرٍ يحاوله..
واستصحب الصبر إلا فاز بالظفرِ

لاتحرمونا نصحكم وتجاربكم في تعلم اللغة
وقبل ذلك كله دعواتكم أن يسهل الله كل عسير

محمد أحمد بارحمة
4 جمادى الثاني 1438هـ

اترك رد

اكتشاف المزيد من محمد أحمد بارحمة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading