إسباغ المكاره على القلب

“إسباغ المكاره على القلب”

(إذا كنت تريد النجاح فثمنه الوحيد سنوات طويلة من الفكر والعرق والدموع . القصيبي)

من رحمة الله أن يرتطم قارب عمرك ببعض الصخور لتجدّ في التجديف
في الحج كنت مع أحد الأصدقاء الذين اقتسمت معه كل شيء من أيام المرحلة المتوسطة
وهو من البقية الباقية الذين ما اقتلعتهم رياح الإرتخاء
تناولنا العشاء وحدثني عن برنامجه الثقافي في شهر ذي الحجة ( ثمان ساعات ) يقضيها في القراءة والسماع والإطلاع ويعدّه كالدوام الوظيفي !
ثمان ساعات لا أظنها مستساغه ومستلذة ، لكنه إسباغ المكاره على القلب

الملاكم الراحل محمد علي كلاي يحكي عن تجربته في إسباغ المكاره على قلبه :
(كنت أكره كل دقيقة في التدريب ، لكن كنت أقول لنفسي : تحمّل الآن وعش بقية حياتك بطلاً ) .
أحتفظُ بورقة كتبتها مطلع العام 37هـ فيها قرابة (11) من الأهداف الشخصية
تعثرث في تحقيق 3 منها وبالتفتيش عن الأسباب أجد ضمور (الجدية) وعدم إسباغ المكاره على القلب

المشاهِد للمحاضن _وحياة الشباب عموما _ يجد أبرز آفة اجتاحتها (نقص الجدّية)

ولعل الواحد منا يشاهد أن الجلسات أصابها الترهل واجتاحتها قيم السوق والمادة فصار حديث المجالس الأفلام وأبرز المباريات والسفرات والمطاعم وفي أحسن الأحوال مناقشات في قشور السياسة !
ثم نتعذر وننوح بعبء الإلتزامات وضيق الوقت
الوقت_لو صارحنا أنفسنا_ ينساب من بين أصابعنا كالماء ويحتاج لقبضة حديدة توقف هدره !
فالوسادة مقوسة من كثرة النوم ، والجوال يُشحن مرتين في اليوم لفرط الإستهلاك
والأيام في عدٍّ تنازلي سريع .

من صدف العام الفائت أنّ آخر كتاب قرأته (عظماء منسيون في العصر الحديث)
القاسم المشتركب بينهم على اختلاف أنماطهم(التعب والجدية) ، سيَر يقف الواحد أمامها مشدوها فاغرا
برنامج مليء (بالمكاره) من مكافحة الإستعمار والتأليف والتعليم والتربية والمشاركة الإجتماعية والضرب في الأرض لمناصرة القضايا العربية والإسلامية .
تخْرج من هذا الكتاب بدرس بسيط نظرياً عسير عملياً :
“لن تتذوق النجاح مالم تكابد المشاق وتلعق الصبِر، فالنعيم لايدرك بالنعيم”.
ولو سألنا كم يوم من 360 يوم في عامنا المنصرم يستحق أن نسميه يوم الإعياء والتعب و( إسباغ المكاره على القلب) لماخرجنا بالعدّ_ربما_عن أصابع اليد الواحدة !
هناك صورة بلاغية تغريني للأديب الراشد يقول :
(لن يذوق المسلم حلاوة (الحياة) مالم ترتجف يده انهاكا إذا رفع قدح الماء إلى فمه يريد أن يرتشف ، ولايحق له أن يظن أنه مشارك مالم ينم جالساً يغلبه الإعياء ) .
_الله يستعملنا في مراضيه _

من فترة ونظرية (غادر منطقة الراحة) تعبث برأسي
وهي تعني خوض تجارب جديدة وشاقة على النفس، ومثلها في التراث مقولة التابعي إبراهيم الخواص : ماهالني شيء إلا ركبته ! .

تعلمت السباحة في العام الماضي و مررت بالتعب النفسي الذي يسبق دخول الماء.. وكمية اللترات والجوالين التي تجرعتها كرها ،
وبعد تعلم المهارة استفدت أن:كل ماتستصعبه بالمجاسرة يغدوا من مُتَعِك.

إلى جانب أهداف العام ضع هدفا سامياً سمه ( مشروع العام) واسقه من يومك
فأفضل مؤشر على انتظام المسير نحو تحقيق أهداف العام هو (اليوم)
فالأشياء الصغيرة في(يومك) هي التي تصنع الفرق .

يحكي المفكر عبدالوهاب المسيري عن تجربته في إسباغ المكاره على قلبه كي يتعلم اللغة الإنجليزية :
“حبست نفسي في غرفة لمدة شهر كامل لا أسمع إلا الإذاعات المتحدثة بالإنجليزية ولا أقرأ سوى الجرائد والمجلات الإنجليزية وعُدت بعد الفصل الدراسي الأول وقد تَمَلّكْتُ ناصيةَ اللغة بشكل أدهش أساتذتي! “.

وفي المدهش لابن الجوزي نصٌ مدهش يقول :
( شجر” المكـاره” يثمر المكارم…، والجِدّ جناح النجاة ) !

معسكر الوقت_ياسادة_ الذي تسوده البطالة يقود لمزبلة( الفناء)
وبإسباغ المكاره على القلب_بحول الله_يكتب لنا (الخلود) !
وعلى الله فليتوكل الطالبون .

محمد أحمد بارحمة
محرم1438هـ
#إسباغ_المكاره_على_القلب
#عاماً_سعيداً_حافلاً_بالنجاح_يارب

استديو الأيام الشاتية

“استديو الأيام الشاتية”

كلما هبّت أنسام(الشتاء) تحاتّت أغصان الذكريات
ومهما ارتدينا من ثقال لمواجهته فإننا نبقى عراة..

أشعر في هذا الفصل بما لا أشعر في سواه !!
المواقف لها(طنين) في الذاكرة..
لوحات فنية تحضر بدقة عالية من استديو الأيام الشاتية :
صوت المسبحة..طعم القهوة..درجة حرارة المسجد الدافئة
طلاب المدارس بثياب الشتاء (الملونة)..
أربع كفوف تمتد للمدفئة..ومشهد أخوك المسجّى بالبطانية..
طفل يرسم فوق ضباب الزجاج (أحبك)..
أسمار الليل ..
(سعال) المصلين القادم من طرف الصف..
زكام الأنوف وحروفها المدغمة..
يداك وهما (ترتعشان) في جيب المعطف..
صوت الريح وهي تعانق الشجر وتصيح كأمٍ ثاكل ..
وتفاصيل أخرى لايسعها النص !

يحمل هذا الفصل دون كل الفصول قدرة فائقة على(طباعة) المواقف في الذاكرة، بنكهتها، وألوانها، وأبعادها المختلفة
وبأعجوبة :”التفاصيل الصغيرة تغدوا جميلة في الشتاء |نواف القديمي| ”

عند فرز الألبومات العتيقة ، تتجلى(مواعيد كبرى) حضرت شتاءً
يأتي مشهد فخم لنبي الله موسى حين ذهب يتلمس الدفء شتاءً فنوديَ {بورك من في النار}
وكان اللقاء الأول مع (الله) .
ووعكت أم المؤمنين عائشة لثقل وقيعة الإفك وقلص دمعها
فنزلت براءة السماء في ليلة شاتية حضرت معها العافية ،
عشر آيات تتلى على مر الزمان.
(المدينة النبوية) كانت على موعد فرائحي يوم الخندق
رغم كثافة “الجوع والبرد وألأحزاب” خبت الوجع وجاءت البشرى في الشتاء: [اليوم نغزوهم ولايغزونا] .

مشهد شتوي فاخر لايمكن أنساه حدث قبل سنين:
حين أكرمني الله وأنهيت “حفظ القرآن الكريم” في الحرم المكي أمام ميزاب الكعبة ،
لايمكن أن أنسى (برودة) بلاط المطاف و(دفْء) سجود الشكر !

الشتاء (رئة كبرى) يتنفس منها الصالحون والشعراء والتجار والقراء والعشاق!

ثمة علاقة متينة بين الشتاء والحنين ..
تتحفز في عشاءاته الخجولة خلايا الحب ويزداد خفقان الذكريات
وينبت للروح ألف جناح ، فتحلق في البعيد البعيد ..
وتتداعى شخوص من نحب وتتلاقى الأرواح فتتعانق ..
في الشتاء تُرفع الكلفة بين المتحابين ويحلو الهمس وتذاع الأسرار
ولسان الحال ماحكاه شاعر سوريا عمر أبوريشة مع الشتاء :
(كم زارني وكشفت عن صدري له)

الشتاء (نبي صغير) يلهمك بلياليه الطويلة ، كل روتينك اليومي يتم قبل رنين المنبه !
كتبك المكدسة التي في قائمة الإنتظار تختفي في مساءته
ولاعجب فمن الشتاء خرج مصطلح (أدب المدفأة) ويطلق على الرويات الطويلة التي تقرأ في الشتاء .
يقول الناقد العراقي عبدالستار البيضاني :
“يمنَح الشتاءُ القراءةَ وقتا أكثر ..كنا نؤجل قراءة الروايات الضخمة إلى الشتاء
فلَيلُ الشتاء كان يعني في الغالب بطانية صوفية ورواية روسية ”

وتبقى”الكتب” واحدة من متع الشتاء الخالدة !

الشتاء (نبي صغير) حين يخلق فيك الرحمة كما خلقها في ابن عبدوس
جافاه النوم في ليلة شاتية فجمع غلّة عام وتصدق بها
وقال : مانمت الليلة غمّاً لفقراء أمة محمد !
كم من أشجار(عارية) يقرضها سياط الريح تنتظر مثل ابن عبدوس ؟!
وتردد :
“بيتنا كان عراء.. والشبابيك هواء قارس ..والسقف ماء” لـ أحمد مطر .
تواجه معركتين إن سلمت الرصاص لم يخطئها البرد ..
الرحمة يابن الشتاء هي أن لا تبيت إلا وقد رميت بحطبة في (تنّور) الإستدفاء
” ومن لم يؤد دوراً إنسانيا …فهو كالحطب المبلول في ليلة شاتية ؛ |عبده خال| ”

الشتاء ياصاح “شيخ” وقور حين تصغي للياليه المتأنية ومواعيده الكبرى
وشابٌ “نزغ” حين تَمور في جوفك الأشواق
وبين هذا وذاك ، نحن من غمام الشتاء العذب نستحم .
مع أطيب الأماني بشتاء يرد (شوارد) الروح
وللذين يتقلبون في العراء شتاء (سلام) لايقطع أنياط الجلود !

محمد أحمد بارحمة
ربيع الثاني 1438هـ

ترمومتر المذاكرة

أ

16114648_1458393474201408_1505492938692845536_n
المقال على صحيفة مكة الإلكترونية

أمام فصل به ثلاثون طالبا في سنة التخرج = وقف الأستاذ
وقبل أن يوزع ورقة الامتحان النهائي قال :
لقد كنت محظوظا بتدريسكم في هذا الفصل الدراسي
وأعرف أنكم عملتم بكد واجتهاد من أجل الإستعداد لهذا الإمتحان ،

كما أني أدرك حجم الضغوط التي تتعرضون لها من أجل الحصول على معدل مرتفع
ولإني واثق بأنكم تُلمّون بهذه المادة إلماماً تاما فإني على استعداد لأن أعطي تقدير (جيد) تلقائيا لأي طالب يؤثر عدم حضور الإمتحان النهائي اليوم
كانت تنهيدات(الإرتياح) ذات صوت مسموع
وعلى الفور هب عددٌ من الطلاب من مقاعدهم وشكروا أستاذهم على(طوق النجاة) الذي ألقاه إليهم
ثم سأل مرة أخرى : هل من أحد آخر يقبل هذا العرض؟
هذه فرصتكم الأخيرة
فقرر طالب آخر قبول العرض وترك الفصل
ثم قام الأستاذ بتوزيع ورقة الامتحان على الطلاب الباقين
والتي احتوت كلمات بسيطة :
( تهانيَّ ! لقد حصلتم الآن على تقدير امتياز في هذا الصف الدراسي، حافظوا على ثقتكم بأنفسكم )
كانت تلك مكافأة عادية للطلاب الذين كدوا واجتهدوا ! . أهـ
.
ولأني لم أكن متفوقا جدا لن أكون مثاليا أكثر من اللازم
فقط عنّت لي فلاشات كثيرة من هذه القصة أعرَضْها :
لقياس مدى استعدادك( لأي) امتحان ،
اسأل نفسك : ماذا لو كنتُ مكان أولئك الطلاب وقُدّم لي هذا العرض ؟
وجّه السؤال لأخيك الأصغر أو ولدك
إذا كان سيقبل بالعرض فحاول بالمستطاع ضبط النفس ولا تضرب في الوجه !
إذا تردد اسحب جواله أو قفل التلفزيون من قدامه وقلّه قم راجع مقررك
إذا لم يقبل العرض(تهانينا) الولد مذاكر كويس .

تجربة كيب تاون واللغة الإنجليزية

لي الآن قرابة (100) يوم في كيب تاون لدراسة اللغة الإنجليزية بالتالي باتت الأيام المتبقية للبقاء هنا أقل من المنقضية وبدأ العد التنازلي للعودة لمكة الغرّاء ..
كلما قررت الكتابة عن شيء لم تسعفني القريحة ، على الرغم بأن العديد من الأصدقاء بشرني بتدفق الخواطر وسيلان القلم ، وكل ذلك لم يحدث ومعرفة السبب يجتاج لكهانة !

حين بدأت “جدياً” في اتخاذ قرار دراسة اللغة لم أكن جاهز ماديا تماما
فتأخرت في السفر فكان بين (اتخاذ القرار) و (تنفيذه) قرابة 6 شهور !

ولكن ربي شاء غير مشيئتي
وللرَّب إمضاء المشيئة ِ لا العبدِ!
“ابن الرومي”

كما قيل : “إذا أراد الله شيئا هيأ لك أسبابه ” .
ومقولة باولو كويلو تحفزني جدا : عندما ترغب في شيء فإن العالم كله يتآمر لتحقيقة .
فالحمد لله على جميل الأقدار وتذليل الصعاب

تعلم لغة جديدة يعني أن تعود بخط الزمن للوراء ،
ترجع طفلا
تلقّن الكلمات كما يتلقنها صبي ، تخطيء في النطق فتقسم لك المعلّمة الكلمة ثلاث أجزاء
أحببت التعثر لأني كلما عثرت تأكدت أني مستمر بالمشي
قرأت مرة في صفحة الأخ عبدالله عمر مامعناه :
الأمية في عصرنا أن لا يكون لديك لغة ثانية !!

والحقيقة تأكدت بأن تعلم لغة يعني بناء شرفة جديدة تطل فيها على زاوية أخرى من زوايا هذا العالم ،
لا أزعم حتى الآن أني بنيت الشرفة لكني بدأت العمل عليها وعلى الله المعين قصد السبيل .

في أول أسبوع رأيت في منامي العلامة الدود حفظه الله يتحدث عن أهمية تعلم اللغة الإنجليزية _ لم أكن محتاجاً لرؤيا_ لكنها على كل حال كانت قدراً جميلا

مررت بمواقف لطيفة !
أذكر أول أشهر دخلت سوبر ماركت سمعت بأنه يبيع سمبوسة
فبدلا من قول هل(عندك) سمبوسة ؟
قلت للبائع بكل حماسة هل (تريد) سمبوسة؟
كنت أكرر السؤال عليه
والبائع يكرر: وت سوري؟

لايمكن ان أنسى ملامح البائع وكمية الحيرة والاستفهامات اللي ارتسمت عليه .

ومرة أخبرتني السيدة اللي أسكن عندها بنبرة حزن بأن أخيها قد سقط وتوفي بعد العشاء
لم تلتقط أذن أخيكم كلمة توفى
قلت لها بكل صفاقة مواسيا بلطف أوووه :
أتمنى له شفاء عاجل !
(I wish him to get well soon)

ومرة أحد الأصدقاء أراد أن يتباهى أمام بنات بني الأصفر يريد أن يقول أنا (coach)مدرب
فقال بثقة أنا (kitchen) مطبخ !
لاحاجة للقول بأن أتعس اللحظات حين يريد أحدهم أن يرفع من نفسه فيهوي بها في مكان سحيق ..

وبمناسبة البنات اقتنعت بأن الكلمات تأخذ مكانها بثبات في الذاكرة حين تخرج من فم امرأة، ولست مبالغ
فالنساء أكثر تحملاً ومجاملة
وعندما وصلت لكيب تاون كانت معنا في المنزل احدى الفتيات من فنزويلا
اظنها لو قالت لا إله إلا الله لكان يكفي مع صبرها علي أن تكون في أعالي الجنة “ولا أتألّى على الله”
وانفرج لساني شيئا فشيئا مع فرنسية وبرازيلية
وتغليب حسن الظن مطلب فكل هؤلاء جمعني بهن نفس المسكن وطاولة الطعام
“ولله بنات بني الأصفر”
بمناسبة التعلّم من النساء :
مرّة قرأت في (طوق الحمامة) لابن حزم الأندلسي كلاما يثني فيه على النساء
ويذكر دورهن في تعليمه :
(..هنّ علمنني القرآن وروينني الشعر ودربنني الخط )

..

أعود للكلمات فهي كالناس ماتعارف منها ائتلف معك
فمنها الوحشي، ومنها الهين، ومنها ما تحفظه فيطير ويعود لك بعد أسابيع يجمعك به القدر في موقف فيدوم الود
كنت محظوظا في الأسبوع الماضي حين درسنا في الفصل موضوع عن الجرائم وتعلمنا مفردات جديدة حول الموضوع
عدت للمنزل كان معي كتاب بعنوان : (موت بارد)
وجدت في الكتاب ثلاثة أرباع المفردات التي تعلمتها في الفصل،
“ورب صدفة خير من ميعاد ! ”
تتمكن الكلمة منك لو حفظتها ثم صادفتها في اليوم التالي
في كتاب أو فيلم أو سمعتها من معلم و زميل.

في صنعاء أيام الدراسة أعطاني صديق كتابا باللغة الانجليزية كانت التجربة الأولى التي أحاول فيها القراءة بالإنجليزية
كان الكتاب مختصر لسيرة الرسول لا يتجاوز اربعين صفحة
لم أستطع انهاء ربعه تقريبا
كنت أقلبه وأتمنى حلول معجزة لقراءته، للأسف لم يحدث معي شيء.
بدأت هنا قراءة كتب (CAMBRIDGE)
وهي عبارة عن قصص قصيرة كمثل كتب الأطفال التي فيها : قال أحمد وقالت فاطمة_مع تغيير الأسماء لأعجمية_،
وشعرَها أحمر،، ووضع يده على رأسه،، وبيته في يمين الشارع… وهكذا
كنت استعين بالصور المصاحبة للكتاب لفهم السياق
وعندما ينتهي الكتاب ينتابني شعور يفوق نشوة اتمام كتاب عربي
لاتكاد تخرج من الكتاب بأدنى فكرة، لكنها قنطرة عبور ومرحلة لابد منها
مثلا مرة طلب مني بعض الرفاق في المعهد أن أخبرهم ماهي القصة التي في كتابي؟
فبدأت أقصها عليهم : واحدة قُتلت فبحث البوليس عن القاتل إلى أن وجدوه. أهـ
انتظر الأصدقاء ماذا حدث بعد إذ؟
فاجأتهم أن الحتوتة انتهت!

بلا استثناء الجميع افرط في الضحك وقتها!
لأنه لاشيء في القصة يدعوا للتعجب أو الاستغراب و الإطراق مجرد قصة تنفع للأطفال قبل النوم !
لا أخفي أساي من التأخر في تعلم اللغة
والعزاء “أن تصل متأخرا خير من أن لاتصل”
جزى الله من اخترع هذه “المقولة” لانها تعد أوسع أبواب الإعذار

كلما فكرت في سنين الدراسة المتوسطة الثانوية الجامعة
ماذا حصدت منها في الانجليزي؟ فعلا لاشيء
أتمنى أن أرى إجاباتي في أوراق الإمتحان ماذا كنت أكتب
كيف كنت أتعامل مثلا مع(was)( were) و(had)(have)
لست مقتنع بمقولة “بدلا من أن تلعن الظلام أوقد شمعة”
ساعات أقول علينا أن نلعن الظلام في الوقت الذي نوقد فيه الشمعة!
أعني بالظلام “لامبالاتي” و “وضاعة التعليم عندنا”
من الطرافة وتدابير القدر أني حصلت في ثالث ثانوي في مادة الإنجليزي على نسبة 96%
الله لطيف بعباده،(لاحد يقلي كيف)
..
أحدّث نفسي دائما وأسالها مالذي أريده من اللغة؟
الحقيقة لا أريد أن أكون(معلماً محترفا) من يراني يظن أني من مواليد بريطانيا،وسُرّي مقطوع في أحد شوارع لندن ولا أن أبز أقراني وأصحح لهم القواعد..
أبدا.. كل ماأتمناه فقط أن “أفهم وأُفهم”
هذا يكفيني..
.
كيب تاون عرفتني على أصدقاء كرام تشرفت بهم وماكنت أظن أني سأكوّن علاقات ودّية جديدة
تعدّ أفضل مرحلة لبناء العلاقات الحميمة مرحلة الجامعة
ماقبل مرحلة الجامعة يعد مرحلة علاقات “مضطربة”
ومابعدها مرحلة علاقات “نفعية” أو مادية
والاستثناء وارد لامحالة

أكثر ماغثّني هنا (هواة بذل النصائح) وهم الذين يهرفون بما لايعرفون
أخبرني أحدهم مرة بأن العقل لايستوعب في اليوم أكثر من خمس كلمات! فإياك أن تزيد!!
وأحمق آخر حذرني من شراء قاموس لانه سيشتت ذهني!
مثير للشفقة بعض الناس حين يضعون المعاذير لنفسهم
ومثل هؤلاء (إن يتبعون إلا الظن “وماتهوى” الأنفس)
والنفس تهوى الراحة والسلامة والدعة والمعاذير
وكما قيل :
حب السلامة يثني همّ صاحبهِ..
عن المعالي ويغري المرء بالكسل. .

تعرفت العام الماضي في اندونيسيا على صديق اسمه رمضان
لم يكن أخي رمضان يتكلم العربية ولم أكن للأسف أتحدث الإنجليزية، مجرد مفردات لاتُذكر يعلمها عن العربي واعلمها عن الانجليزي
الكل كان نائما(حسين) و(أحمد)
ولم يكن أحد مستيقظ إلا نحن
كان الصمت سيد الموقف والعبث بالجوال لتمضية الوقت
ثم بدأنا الحديث شيئا فشيئا
كانت لغة الجسد حاضرة بقوة في جلستنا ومترجم قوقل بكل تأكيد
قرابة ساعة جلسناها بصبر مع بعضنا
وعندما استيقظ(حسين) قلت له قل لرمضان :
أعده بأني سأتعلم الإنجليزية قريبا وسوف اتصل به حين اتعلمها
كانت هذه أول مرساة وضعتها لتحقيق الحلم
ربما نسي رمضان لكن لم انسى الوعد
هاتفته قبل أسابيع بسيطة وتحدثت معه بلغتي الركيكة

وذكّرته بالوعد فتذكر.. لم يتجاوز الحديث دقيقتين
انهيت المكالمة وتنفست السعادة
(فأحلام الأمس حقائق اليوم )

إن كان من شيء أود نقشه وقد سبق أن قلته في تدوينة(إسباغ المكاره على القلب) :

كل ماتستصعبه بالمجاسرة سيغدو من متعك !

لازلت في أول الطريق دون شك ،
ومجرد البدء غالبا يوصل للتمام والإتمام
كل شي يأتي مع الوقت و (الزمن)جزء في صناعة المنجزات !

للشيخ المفسر السعدي مقولة ذهبية
أوصي بالاحتفاظ بها وتعليقها في مكان بارز
_غرفتك، سيارتك، مكتبك، أو في المرآة التي تزورها كل صباح _
يقول رحمه الله :
“من بذل المجهود في السعي في الأمور النافعة،
واستعان بالمعبود عليها، وأتاها من أبوابها ،( أدرك المقصود)
فإن لم يدركه كله أدرك بعضه… ”

وقل من جدّ في أمرٍ يحاوله..
واستصحب الصبر إلا فاز بالظفرِ

لاتحرمونا نصحكم وتجاربكم في تعلم اللغة
وقبل ذلك كله دعواتكم أن يسهل الله كل عسير

محمد أحمد بارحمة
4 جمادى الثاني 1438هـ

ملهاة الأسماء والكنى .

كنت وقتها في بداياتي مع المسجد
أصحابي الجدد ومحيطي بالكامل عندهم كُنى..
(ابوثابت، ابوخبيب ،ابوالمنذر،ابوالقعقاع ،ابوالفداء ،ابوعزام)

فحبيت أسدحهم كلهم وأختار اسم قوي يعيد هيبة الإسلام والمسلمين 
رجعت للبيت وشقّرت على فهرس كتاب صور من حياة الصحابة، وكتاب رجال حول الرسول
ثم جبت ورقة صغيرة كتبت فيها كنى وعطيتها الاستاذ(عبدالكريم هوساوي) مدرسي وقتها في التحفيظ
قلت له ابغى اتكنّى ومحتار في ذي الأسماء
فتح الأستاذ الورقة وجلس يضحك بإفراط!
عاد تعرفوا الخيلان يحبوا يضحكوا بشماتة
ولازم يشاركوا الآخرين فرحتهم ويجمهروا لك..
كان هذا التصرف أبداً مش متوقع من الأستاذ !
ظنيت للأمانة إنه بيمدحني.. ويقلي تربت يداك.. وهنيئا للأمة بمثلك.. وحيربّت على كتفي
كل ذا ماحصل للأسف.
طبعا الورقة الصغيرة بكل بساطة كان فيها بعض الأسماء ومنها : (ابوقتيبة، ابوقتادة، ابوعكرمة)
تخيلوا ذي الأسماء كنت محتار فيها
قلي الأستاذ وقتها مامعناه ليش كل الأسماء حربية
اش رايك في أنس ومعاذ وعبدالرحمن؟

كانت الأسماء التي اخترتها تحمل تاريخا جليلا ومهيبا
لكنها بعيدة كل البعد عن العرف وغريبة على مجتمعي
تخيلوا ارجع البيت أقول لأبوي أنا أبو القعقاع أو قتادة أو غيره… !
عاد أرخوا العنان لمخيلتكم وخمّنوا اش اللي ممكن يحصل

كانت الرغبة بتعويض النقص عن طريق اختيار اسم قوي هي الدافع الغير مرئي
وكما قال الرافعي:
والذي لا يجد أعمالا كبيرة يتمجد بها، هو الذي يخترع الألفاظ الكبيرة ليتلهى بها ! “بتصرف”

بالمقابل كان الشيء الإيجابي اللي ماينبغي نهمله هو أن غريزة التشبه بالأكارم والأبطال كانت أيضا سبب لختيارنا تلك الكنى

وبطبيعة الحال ينطبق علينا قولة الشاعر اللي رأى الأمراء يتسمون بالمعتصم والمعتضد فقال :
ألقاب مملكة في غير موضعها.. كالهرّ يحكي انتفاخا صولة الأسد

غاب عنا بأن المشاكلة والتشبه في الفعال هو لبُ القضية
وما الأسماء إلا تغطية

اليوم لا أخفي قناعتي بأن اختيار الكنى قطعة من عقل الرجل وأحيانا قطعة من مشاعره
ومن يتكنى بالغريب والوحشي ربما لايحسن تفهم الواقع ويعيش في مربع الوهم والمثالية
وكما قيل:
قد عرفناك باختيارك إذ….. كان دليلا على اللبيب اختياره

اللي ذكرني بذا الموقف أحد الأصدقاء اللطيفين من يافع
حكى لي عن التحاقه بالتحفيظ، وإنه تكنى بـ (ابو الزبير )
فشاف فرش من أبوه ودخل في تحقيق عريض وسين وجيم
واش يدرسوكم المطاوعة غير القرآن؟ يوركم مقاطع جهادية؟
يدربوكم على الزحف والمطارحة؟

المهم.. أحمد الله أن أستاذي وقف في طريقي تلك الساعة
وأحب أعلمكم بأن :
(ابوثابت، ابوخبيب ،ابوالمنذر،ابوالقعقاع ،ابوالفداء ،ابوعزام)
غيروا كناهم بعد ماذاقوا العسل 🙂

محمد أحمد بارحمة

|ابوعمر طبعاً| والثبات عزيز

الإنكسار بريد الدخول

“الإنكسار بريد الدخول”

الأشياء في انقضاء وعقرب الثواني ماعاد كما كان عقرباً للثواني بل تولى مهمة (مؤشر الساعة) وصار يقود الحياة ..
والأيام لكثرة جريانها امتلأت لياقة وباتت تركض أسرع ..!

البدر الذي اُستخدم التلسكوب لمشاهدته ، يستعرض اليوم تمامه(يومض) للناس: ذهب النصف !!

من ذات الأبواب ندخل ونخرج، أُلوف الأقدام تصطف على مسافة واحدة لاتَقدم ولاتأخر ،
الأعقاب حذو الأعقاب ، ولاشيء سوى مشهد(البكّائين) يستحق الوقوف ،
والوجع أن(تسترق النظر) لما حرمت منه !

أتمضي الحياة كذا مُـرّة ؟
فلا من خشوع ولا من بكاء
وألمح حولي ألوف العباد
وأدمعهم من سناً وسناء
فيا رب جُدْ لي بقلب نقي
إذا هتف الدمع لبى وجاء

وهل في الدنيا أعذب من ملاحة الدمع ،
وهل وجد ساعي البريد أفصح من المراسلة بمداد الدموع ؟!

في إحدى الحارات رأى أحدهم باباً قد فُتح ، وخرج منه صبي يستغيث ويبكي ،
وأمه خلفه تطرده حتى خرج ، فأغلقت الباب في وجهه ودخلت ، فذهب الصبي غير بعيد ثم وقف حائرا ..أين أبيت ولا مأوى لي غير البيت الذي خرجت منه ؟
فرجع(مكسور القلب) ووجد الباب مغلقاً فتوسده ، ووضع خده على عتبة الباب ونام ، فلما خرجت أمه ورأته على تلك الحال ، لم تملك أن رمت نفسها عليه والتزمته تقبله وتبكي
وتقول ياولدي :أين تذهب عني ؟ ومن يؤيك سواي ؟ثم أخذته ودخلت
فانتهز ابن القيم تلك الحكاية قائلاً: تأمل قوله صلى الله عليه وسلم (لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها )
وأين تقع رحمة الوالده من(رحمة الله) التي وسعت كل شيء ؟! .

بمن ألوذ إذا ماضاق بي ألمي
ومن سيؤنسني في غربة الدرب
كل النداءات خانتني وأوصلني ..
بابَ السماء : فم ناداك ياربي

نمضي إلى(سدّتك الكبيرة) في موكب من العصاة والنادمين ..
وحين نستلقي على الأرض من الإعياء، تصل العين لآخر مدى سماوي
فتبدو لنا المسافة بين السماء والأرض بعيدة
وتُخيّل الذنوب وكأنها سلسلة جبال قد غطت المدى ..
فيخترق الحاجز نداءك الحاني : ياعبدي لو بلغت ذنوبك عنان السماااء ثم استغفرتني غفرت لك .

وكلما قلتُ ذنوبي كثيرة .. ردّ الصدى : ياكثير الذنب عفو الله من ذنبك أكبر !!

بين الحين والآخر نأتيك بملامح شرودة من شدة الخجل ، نصيح من ظلمات القلب كما صاح يونس :
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
ونعترف كاعتراف كلِيمك موسى : إني ظلمت نفسي فاغفر لي ، فلعلك تتفضّل وتجيب (فغفَر له)
أرخيت علينا الستر يوم (الخطيئة) ، وكنت الحليم ساعة (التجاوز) ، والغفار رغم (الإصرار) ، والعفوَّ لحظة (العودة) ، والبر الرؤوف حين أدرنا الظهور وغرنا طول الأمل
في لحظات النهوض ومحاولات الإفاقة كنت السند،
وفي لحظات(التعثر) كنت الجابر ،
كم مرة (غارت) نضَارتي (ففاض) حنانك
أدخل متكدرا فأخرج أصفى ..
أجلس ضعيفا فأعود أقوى ..
وكلما ذوى غُصني سقتني (رحمتك) ..
أقلق فيأتي قولك مطمئناً :{ نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم }.
وإذا خيم ظلام اليأس شعّ أملك :{ لاتقنطوا من رحمة الله }
توسعت شرايين الرجاء واشتد الطمع حين قرأ الإمام :
{قل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفر لهم ماقد سلف}
(يارؤوف) هذا قولك العطوف لمن جحدوك فكيف ودادك بالذين شهدوا لك بالوحدانية؟!
وهل نؤمل إلا عفوك ؟

نادى المنادي في شهر الجود : ياباغي الخير أقبِل..
فتأخرنا وتردّدنا.. وسلكنا طريق اليمن في موسم الشام
والعزاء أن خطوات الرجوع إليك تطوى أسرع (وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) .

وكل الفضاءات تقود إليه ،، وباب الأوبة عنده لايوصد ..
وما مقام أحلى عنده من هيئة منكسر ، قد أطرق رأسه يستأذن الدخول، قدم الدمع قرابين :
علّ نزول الدمع يُعقِب راحة
من الغم أو يشفي خفيّ البلابل
مشهد دونه الدنيا كلها ولاتكفيه المعاجم
ما جاوز في وصفه ابن القيم رحمه الله سوى أن قال :
(كسرةٌ خاصة تحصل للقلب لايشبهها شيء)
تأمل : لايشبهها شيء!! وحاول التجربة
لعلها تكون بريد الدخول على الملك ، ومن يدخل أتُراه يخيب ؟!

عصيتُك رَبي فأمهلتني
وتَستُرني رغم أني عَنيد
أَتيتكَ يا خالِقي باكياً
ودَمعُ الأسَى كل حينٍ يَزيد
وقَد قلتَ في الآيِ لا تَقنَطوا
و إنْ تعف عَني فذا يوْمُ عيد
و إنْ تَعف عَني فذا يوْم عيد

يارب لا مال(ابن عوف) لنجهز به عسرة ، ولا سبق(الصديق)، ولا وضوء(بلال) ، ولا سريرة(أبي ضمضم)
فبجودك سيدي أكرمنا بكَسرة (ماعز) تكون بريد الدخول إليك.

محمد أحمد بارحمة

#الإنكسار_بريد_الدخول

خدمات مابعد الموت

خدمات مابعد الموت !

لابد أن تموت لنعرف فضلك ونعاملك بإحترام فتلك “خدمات ما بعد الموت ” !!
كان لابد أن يستشهد بضعة عشر من قادة أحد الفصائل في سوريا لنرضى عنهم ثم نزكيهم ..
وكان لزاما أن يموت(فرمان)_الذي أنقذ 14 نفسا في سيول جدة_ ليعترف البعض أن ثمة خير في نفوس الأجانب ..
يبقى بعض الناس في الدنيا كرصيف مهمل لا يلتفت له أحد فإذا مات فاضت المحابر والحناجر بالود المتأخر
من أصدقائي في الفيس بوك (صالح) توفي _رحمه الله_
من عجيب أنواع الرثاء وهي كـ”خدمة بعد الموت”
ماكتبه أحدهم على جدار صفحته :
رحمة الله عليك ..”سأقبل صداقتك الآن رغم عدم معرفتي بك” .!
لم أجد رقصا على جثمان ميت كرقص هذا العابث..
ذلك الميت نحسبه في رفقة من يحب وبصحبة من يرضى ولاحاجة له بالصداقة الإفتراضية والشفقة الآن
ولو نطق لقال : كانت ستنفعني _ربما_ وأنا حيّ ، أما الآن فلا ..
بعض الود والإعتذار المتأخر فاقد لنصف قيمته كقهوة باردة
الود المتأخر هو عبارة عن _خدمة بعد الموت_ يجود بها الأحياء ولات حين نفاعة !!
ولو خرجت قبل أوانها لحقنت في الوريد جرعة رضا ، ولأعشب بستان القلب ..

كتب إمام الحرم الشيخ الكلباني :
” (غازي القصيبي) غضب عليه الجميع ، ثم رضي عليه الجميع ” . !
وكأن الموت شرط الرضا ..
هناك نفوس كأنها (مقبرة) لاتحب ولاتتقبل ولاتحتضن إلا الموتى ،،
يحكي (ماجد) : كنت أذهب مع أخي الأكبر للمدرسة و كنت حينها طالباً في المرحلة الثانوية
كنت لا أحبذ سماع الأغاني و أخي بالعكس مهووس بها ،
في كل صباح نمرّ بمقبرة المعلاة بمكة وكان يغلق الصوت عند مرورنا بالمقبرة ، وفي أحد الأيام سألته لماذا تغلق الأغاني عند مرورنا بالمقبرة ؟ فقال نحترم الأموات !
قلت:والحي الذي بجانبك هذا ليه ما تحترمه وتغلقها طول ما هو معك ؟!
قال: يازينك ساكت .
علمت حينها ان الناس تحترم الأموات ولو لم تعرفهم ولاتحترم بعض الأحياء وهي تعرفهم .
ولست متأكد ما إذا كان هذا من قبيل احترام الميت أم هي رهبة الموت ؟ .
كدت أنادي بكل خلية : يارُبَّ حيٍّ أولى بحسن معشر !!
يتعذرون بأن الحيّ تخشى عليه الفتنة
ولقد سمعنا بحيِّ تُخشى عليه الفتنة ولم نسمع بحيٍّ يُخشى عليه الحب والود
لا أدري أكان لزاماً أن يحتاج الناس للموت ليخرج الذين حولهم من مشكلة الخرس العاطفي ؟
لفحَ نجيب محفوظ برود الحاضرين فصاح: لا أحب الحب الصامت ..أخبرني بحبك !

بعض _الغياب البسيط_ مندوب إليه ، الغياب البسيط كالسفرأو غيره
يجعل المشاعر تفيض وتقول ماظل محبوسا في حجرة الفؤاد
ولولا غياب بيجوفيتش 5 سنوات في زنزانته
لما رأينا ورأى خواطر أبنائه (سابينا/ليلى/بكر) رسائل بعثوها له في سجنه أرفقها في كتابه: (هروبي للحرية)
كان يتنفس ويحيا بها ويقول:
( طالما كنت أسعد برسالة أكثر من طبق الطعام ) .
كُثُر أولئك الذين انتظروا كلمة لطيفة يتورّد منها القلب،
وأكثر منهم من عانى كلمة ظلت حبيسة في صدره تمنى لو أخرجها في زمن الإمكان
( بروني )ممرضة استرالية عملت في رعاية المرضى الذين تبقى على وفاتهم القليل، لفشل الطب في تأخير الأجل المحتوم
كتبت عن أبرز خمس أشياء تمنوا أن يتداركوها
بعد أن كانت تسألهم ما أكثر ما ندمتم عليه في حياتكم ؟؟
واحد من هذه الأشياء التي ندموا عليها :
” كنت أتمنى لو ملكت الشجاعة للتعبير عن مشاعري ، لأعيش في سلام داخلي نتيجة التعبير الصادق “..
الأديب الطنطاوي عانى في مرضه واشتكى قلة زواره، وحين زاره مجموعة من دعاة الخليج فرح بهم وشكى الوحشة و الوحدة !
ولعله عزف بقيثارة مُلئت بأنّات الجوى حين كتب:
تمسكوا بأحبتكم جيدا (وعبروا) لهم عن حبكم فقد ترحلون أو يرحلون وفي القلب حديث وشوق ..
خدمات مابعد الموت:ظاهرة تهدف لتقديس الميت الذي كان مهملا وهو حي..
وهي من طريف الحياة الإجتماعية
سخِر منها علي شريعتي فحكى :
مات جاري أمس من الجوع ، وفي عزاه ذبحوا كل الخراف !
خدمات مابعد الموت : تجعلنا نُجرّم كسر عظم الميت ، وفي الحقيقة كسرعظم الميّت ككسره حي .لامزايدة
خدمات مابعد الموت : حين نبارك “قتل” الحي ونقول : “الضرب” في الميت حرام !
وردة واحدة _أيها الأحياء_لإنسان على قيد الحياة أزهى من باقة كاملة على قبره
وكلمة في زمن الإمكان أجدى من مرثيّه بعد مُضيّ الأوان
أذكروا محاسن موتاكم وأحياءكم ..
والفصْل بين احترام الحي والميت علمانية في المشاعر نعوذ بالله منها .

محمد أحمد بارحمة
جُماد الأول1437هـ
#خدمات_مابعد_الموت

الله في المحطة |4|

الله في المحطة |4| :

لايمكن أن أنسى عفوية المحطة الأولى ..ولا قسوة المحطة الثانية ..ولا بطء الثالثة ..
وفي كل محطة وصلت إليها لم أكن أملك تحديد موعد القدوم وو المغادرة !

الجميل في كل رحلة هي (الدهشة) التي تصيبك فور الوصول لصالة القدوم التالية ..
تبدأ الصورة الكلية تتضح ، يسهل عليك تفسير بعض المواقف السابقة ، تُوضع النقاط على الحروف
فعند كل لقطة مخيفة تظن فيها أنّك كنت (تُسحق) تكتشف فيما بعد أنك ( تتشكل)

عند الوصول للوجهة النهائية وأعني (الفردوس) _بُلِّغناها وإياكم_
سأشاهد فيلم كامل يستعرض حياتي البسيطة
من أول صيحة عندما تلقتني خالتي إلى آخر زفرة طارت في الهواء ..
وأراهن أن العرض سيكون مدهش وسأرى تفاصيل محرجة ، ومواقف صغيرة شكّلتني _لم ألقِ لها بالاً_
ومشاهد انتصار ومشاهد انكسار ؛ وأصدقاء غابوا فجأة ؛ وصلوات لاتليق بالله (العظيم) ؛
والقوة الخفية التي مُنِحناها في مواقف بدعوات الوالدين ؛
وأشياء تعلقنا بها لم تكن تستحق .
وسأعجب حين أراني كنت أتعجّل قطع ورق التقويم ..
سيكون كل شيء مدهش.. سيكون الله مدهشاً
ستمر لقطة (الأقدار) التي تقدمت فكرهت قدومها ..أو تأخرت فتذمرت لتأخرها
ويكشف الله يومها صفحة ذلك القدر ،
فيتجلّى اسم الله (المدبر)
ولايكون حينها أبلغ من الإبتسام لخفي لطف الله ورعايته ..

سنقف في صف اهل الجنة ونقول : ” إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو (البر) (الرحيم ) ” .
في الحزن العتيم كان(النور)..وفي تعب اللجوء كان (الراحة) ..وفي كل ضيق كان (الفسحة)
هو (السند) يوم انفضّ الناس ، والصوت حين تخنق العبرة
كم مرة(غارت) نضَارتي (ففاض) حنانه
أدخل متكدرا فأخرج أصفى ..
وأجلس ضعيفا فأعود أقوى ..
كلما ذوى غصني سقتني (رحمته) ..
…
يحتوينا في أدق الأشياء ونحن على حصيرة المسجد ..وفي جلسات السمر ..ونحن نقود السيارة ..وفي المسالكك المهجورة.. وفي مرتفعات الحياة وسهولها ..
استشعار(معيّـته) يمنح الأمان
إذا سألوك عن الأمان ؟
(الله) هو (الأمان) في فوضى الأرض ..
ندخل عليه _في أي وقت_مع كل صلاة وعقب كل (معصية) بلا موعد مسبق ولا طابور أوحاشية فيقبل فورا
ويفرح أشد من فرح مسافر ضلّ راحلته _وعليها طعامه وشرابه_ أيقن الهلاك فاضطجع تحت شجرة
فبينا هو كذلك ، إذ بها قائمةٌ عنده . !!

نسرد له المشاكل دون تلعثم أو خوف من سوء فهم
نشكو كما شكت المجادِلة فيكون الرد “قد سمع الله ..”
لا أسرع من الضوء إلا دعوة من قلب (منكسر) !

كل الأحلام المستحيلة ليست عصيّة عليه ،،
وما يسميه الناس (شطحات الخيال) محقق عنده ،،
عطاءه (غمام) فمن ذا يمنع المطر ؟!
{مايفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها}
(سميع) (مجيب) (قريب)
ومن يحسن الاستسقاء يأتيه المطر ..

لانك (الله) أحلامي مبللة
ببهجة الصبح يسقيها فتنبثق
لأنك (الله) قلبي كله امل
لأنك (الله) روحي ملؤها الألق
لأنك (الله) فالأقدار باسمة
ووجه دنياي منها ضاحك طلق
_علي الفيفي_

ترفع عينك للسماء فيأتي همسه:
” قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها ”

سبحان من يعطي المُنى بخواطرٍ ..
في النفس لم ينطق بهن لسان ..

وفي كل جلسة تطرق رأسك ملتفا بحبوة الصبر
يأتي نداؤُهُ ” وجدناه صابرا نعم العبد ” .
فيتبدل (الحال) .. وتخرج ياذا النون من الظلمات .. ويكون الشفاء ..فعند (الله) تفريج البلايا ..تقول يا (صمد)
فيقول:
{اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب} .

قربه لم يحرمنا ملذات الدنيا بل كان يضاعف الشعور باللذة والفرح
محروم من يبتعد عن سدّته الكبيرة = {فإن له معيشة ضنكا} !

نلمح ألوهيتك وربوبيتك في ثنايا (النور) وسطور(الشعراء) وسعة (الكهف) وصعدات (القيامة) ورحلة( الإسراء) ومنزلة(التوبة) ومقام(إبراهيم) ونبرة المرأة(المجادِلة) وبين(الناس) وأجنحة (الصافات) وجمال (يوسف)
كلامك بوصلة وأنت الإتجاهات الأربع ..

تربينا بالمواقف والآيات : تعاتب مرّة (وماقدروا الله حق قدره )
تطمئن مرة (أليس الله بكاف عبده) تحذر تارة (فويل للقاسية قلوبهم) وتعيد الأمل أخرى (لاتقنطوا من رحمة الله)

نتذوق الشهد من اسمك (اللطيف)
ونرضع الأمان مع اسمك (المدبر)
ويشتد طمعنا في اسمك (الكريم)
ويبرى القلب حين نتأمل (الجبار)

أسبح في نهر الكوثر حين يقرأ الإمام :
( إن فضله كان عليك كبيرا) كبير .. وكبير جدا
إلى حد لا أستطيع به القياس بمعايير الدنيا
(أمشي) إليك فتأتي ( هرولة )
فلا يصح قانون نيوتن الثالث | لكل فعل ردة فعل ‘مساوية’ له في المقدار …|
مع (الله) الفعل مضاعف ..والكسر مجبور .. والحلم يتحقق .. والحزن يتلاشى ..والعطاء لامحدود ..

(الله) كلمة قدسيّة مكونة من حروف لينة ينطقها الصغير والأعجمي والألثغ .. ليست عسيرة على أحد !

سبحانك ‘لا أحصي ثناء عليك’

[لو نظمنا قلائداً من جمان ٍ … ومعانٍ خلابةً بالمئات

لو برينا الأشجار أقلام شكر … بمداد من دجلة والفرات

ما أبنّا عن همسة من معاني … في حنايا نفوسنا ماكنات

ما أتينا بذرة من جلال … أو شكرنا آلائك الغامرات] .

شرف مديحك :
لك الحمدُ يا ربِّي على كلّ نعمةٍ..
ومن جُملة النّعماء قولي (لك الحمدُ) .
سيمر القطار سريعا كلها مئة سنة _إذا كثرت_
ثم: إليك المآب ..
فإن دنا الميعاد يا (جليل) :فجهزنا أكثر وأحب اللقاء .

محمد أحمد بارحمة

رمضان |18|